البوكار ماشين.. وأبناء العروبة

بقلم شربل بعيني

   (البوكار ماشين) آلة تشبه التلفزيون، ولكن الفرق بينهما هو أن شاشة الأولى ذات دواليب متحرّكة، تحمل صوراً مختلفة، متى اجتمعت على خطّ مستقيم واحد، تهبط الثروة من جارورها المعدني الصغير، وتبدأ بعزف أجمل المقطوعات الموسيقيّة، فيتجمهر الحاضرون حول صاحب الحظّ وضحكاتهم مشبعة بالحسد والأمل.
   وكما يعلم الجميع، فتلك الآلة تسير وفق برنامج إلكتروني معيّن، أي أنها لا تدفع إلا ما توافق عليه إدارة النادي، منها ما يدفع ثلاثين بالمئة من الأرباح، ومنها ما يدفع خمسين بالمئة، وهذا من النوادر، أي أن المقامر لا يسترجع من دولاره، إذا ضحك له الحظ، إلا ثلاثين سنتاً لا غير، وينسى خسارة سبعين سنتاً من كل دولار يقامر به.
   وقد لا أذيع سراً إذا قلت: إن تسعين في المئة من رواد النوادي، هم من أبناء الجالية العربية، لدرجة أن البعض منهم قد منعوا من دخولها بسبب إدمانهم الشديد على (البوكار ماشين)، فعلقت صورهم على المداخل تحسباً لوصولهم المفاجىء، وهذا أشد ما يأمر به القانون الأسترالي، بغية تأهيل المقامر المدمن، وإعادة تفكيره إليه، بعد أن فقده تماماً.
   وصدّقوني أن ما من نادٍ في ولاية نيو ساوث ويلز، إلاّ ويملك المئات من هذه الآلات الخبيثة، التي كانت السبب في تفكّك الكثير من العائلات العربية المهاجرة.
   قديماً، كانت حكومة ولاية فيكتوريا تحذّر المواطنين من اقتناء البوكار ماشين، تحت طائلة العقوبة الشديدة، عكس اليوم تماماً، ولهذا كنّا نجد أن الكثيرين من أبناء الجالية هناك، كانوا يؤمون سيدني للتمتع بملاعبة (البوكار ماشين)، وإيداعها كل ما يحملون من أموال.
   سامي مثلاً.. عندما زارني منذ 20 سنة، لـم أرَ له وجهاً، لا في النهار ولا في الليل. فما أن يستيقظ عند الصباح، ويرشف قهوته، حتى يستأذن بالذهاب إلى (الكلوب) النادي، ولا يعود منه إلاّ والسهرة في آخرها، فيستأذن مرّة أخرى بالذهاب إلى فراشه:
ـ صباح الخير.. مساء الخير.. لقد نسيت الوقت، ولـم أعد أدري أصبّحتك أم مسّيتك قبل الذهاب إلى (الكلوب)؟..
ـ أخبرني.. هل ربحت اليوم؟
ـ لقد نتفوا ريشي..
ـ والبارحة؟
ـ جزّوا شعر رأسي..
ـ وغداً..
ـ لست أدري.. إن شاء اللـه سأربح..
ـ يا رجل.. ألا تضجر من رنّة دواليب الآلات؟
ـ لقد أتيت من مالبورن إلى سيدني لأتنعّم بهذه الرنّة. صدّقني إنها عندي أجمل من سمفونيّات بيتهوفن.
   وهكذا دواليك.. إلى أن خسر كل ما يملك من دولارات، فجلس قبالتي والحسرة بادية على وجهه، ليس لأنه خسر ماله، بل لأنه لـم يعد قادراً على مداعبة عشيقته الست (بوكار) كعادته يومياً. فما كان مني إلا أن هجمت عليه، وأمسكت بيديه، وأنزلته إلى الدبكة، وأنا أغني بصوت مخنوق:
يا سامي وقتْ الْـ بتموتْ  
ما منرضى عَ القبر تْفوتْ
إلاّ ما نركِّب بُوكَارْ            
ماشين.. بقلب التابوتْ