حضارة الفينيقيين الغامضة… في باريس

Phoenicians exhibition in paris

باختصار عن جريدة الاخبار 10 ت2 2007 من باريس بسّام الطيارة و من بيروت جوان فرشخ بجالي.

«بحر الفينيقيين المتوسط: من صور إلى قرطاجة» هو عنوان المعرض الخاص بالفينيقيين الذي فتح أبوابه هذا الأسبوع في معهد العالم العربي في باريس وسيستمر لغاية 20 نيسان (أبريل) 2008. المعرض يجمع روائع القطع الأثرية من مختلف المستعمرات الفينيقية لتروي قصة حضارة لا تزال غامضة في نواحٍ عديدة. ولكن يضيف كاتب المقال انهم بحّارة ماهرون، تجار محنّكون ومكتشفو الحرف الأبجدي… إنهم الفينيقيون الذين عاشوا على السواحل اللبنانية وساحل شمال سوريا في الألف الأول ق.م وتميزوا عن باقي شعوب المنطقة بشغفهم بالسفر والتجارة وقدرتهم على التأقلم. كانوا يشترون المواد الأولية من مدينة ويصنعونها في ثانية ويبيعونها في ثالثة. أبحروا وبنوا مستوطناتهم في مختلف أنحاء البحر الأبيض المتوسط، شعب حمل ثقافته على متن سفنه وأبحر بها مخلّفاً وراءه آثاراً تكفي للتعرّف إليه، ولكن تبقى حضارته الى حد كبير ما يعرف في علم الآثار بـ«الحضارة الغامضة».

ولفك أسرار هذا الغموض وشرح توسّع هذه الحضارة، شارك سبعون متحفاً من اللوفر في باريس إلى المتحف الوطني في بيروت، مروراً بالمتاحف السورية والإسبانية وإلايطالية والتونسية والألمانية والأميركية والبريطانية… في المعرض في باريس. فقد وصل إلى باريس ما يقارب 500 قطعة أثرية فينيقية.ويسعى المعرض إلى إظهار ملامح الحضارة الفينيقية وتواصلها مع دول محيط البحر الأبيض المتوسط. ويرى الخبراء والقائمون على هذا الحدث «أن الحضارة الفينيقية قدمت إلى العالم جانباً مثيراً من الاكتشافات البدائية التي كان لها الأثر الكبير في التجارة آنذاك مثل الصباغ الأرجواني وصناعات الزجاج المنفوخ. وكان الفينيقيون وراء توسع التجارة في حوض المتوسط وألّفوا رابطة بين مختلف الحضارات القائمة حوله، إضافة إلى إنشاء العديد من المستعمرات على ضفتيه».

Phoenician coin

ويذهب البعض أبعد من ذلك معتبرين التوسع التجاري للفينيقيين في المتوسط بمثابة «الدافع الأساسي لتجديد كبير في تطور المجتمعات القديمة. فتجارتهم ساهمت في انتشار الأبجدية حول المتوسط ووصولها إلى اليونان وبعدها إلى العالم الروماني». وما يميز الأبجدية الفينيقية المؤلفة من 22 حرفاً «صامتاً» ـــــ فهي لم تعرف حروف العلة أو الحركات ـــــ أنها أوجدت رمزاً لصوت معين ينطق به الإنسان. وهذا الرمز أي الحرف هو ما أعطى للبشرية جمعاء الزخم الضروري لتدوين تاريخها تدويناً سريعاً ومبسطاً، ولكن (ولسخرية القدر) لم يخلّف الفينيقيون إلا القليل القليل من النصوص التي تشرح طقوسهم الدينية وحياتهم اليومية. وقد يكون سبب قلّة النصوص تلك أنهم كتبوا على مواد سريعة التآكل (مثل الجلود أو ورق البردي التي يصعب حفظها)، أو أنهم بكل بساطة لم يعتبروا تدوين المعلومات عن ديانتهم وحياتهم أمراً مهماً جديراً بنقشه على الحجر. على كلٍّ، تبقى النتيجة واحدة: الحضارة الفينيقية التي تنقسم بين المدن الأم والمستعمرات عبر المتوسط (وخاصة تلك التي كانت تابعة لسلطة مدينة قرطاجة)، لا تزال تعتبر حضارة «غامضة».

ولكن الحفريات الأثرية التي تقوم بها بعثات أثرية في شتى أرجاء المتوسط سلّطت الضوء على نواحٍ كثيرة من حياة تلك الشعوب اليومية. وما يعطي للمعرض أهمية خاصة به لم تعرف حتى اليوم، هو أنه جمع للمرة الأولى منذ «اكتشاف» الحضارة الفينيقية (في القرن التاسع عشر) القطع الأثرية الفريدة المكتشفة في كل المدن الفينيقية. فالزائر يمكنه التعرف في آن واحد على الفن الذي تميزت به مدينة جبيل في لبنان، وأرواد في سوريا وسردينيا في إيطاليا وقرطاجة في تونس… وإذا جولة في أرجاء المعرض تخوّل الزائر أن «يتوه» في أرجاء المتوسط في الألف الأول ق.م. فيتعرف الى إحدى حضاراته التي تركت بصماتها على كل شواطئه.

ومن باريس كتب مراسل الاخبار بعنوان “في التاريخ ناشرو الأبجدية الأقلّ كتابة” وأضاف ان تميّز الفينيقيون، في سياستهم الداخلية، بالاستقلالية. وكانت كل واحدة من المدن الفينيقية من صور وصيدا وجبيل في لبنان وأوغاريت وراس شمرا في سوريا بمثابة «مدينة ـــــ دولة». وكان لكلّ منها ملكها ونظام حكمها، ومستعمراتها عبر البحر… ولكنّ هذا الانقسام «السياسي» لم يكن عائقاً للتواصل بينهم، فهم ينطقون باللغة نفسها، ويعبدون الآلهة نفسها، وتتشابه قطعهم الفنية إلى حدّ كبير، ما يدلّ على أنهم شعب واحد وأبناء حضارة واحدة. شعب أطلق عليه الإغريق اسم «فينيقيين» نسبة إلى لون الأرجوان الذي كانوا يصدّرونه. وتجدر الإشارة إلى أنّ سكان هذه المدن لم يعتمدوا يوماً تسمية الفينيقيين للتعريف بأنفسهم، فهم صوريون، أو صيداويون أو جبيليون…

ومن أهم خصائص حضارتهم هي قلة كتاباتهم. فهم الذين وضعوا الأبجدية ولم يتركوا إلا القليل من الكتابات التي وصلت إلينا لتنير بعضاً من تفاصيل هذه الحضارة، وخصوصاً في ما يتعلق بالحياة اليومية ومراسم الدفن والعبادة.

Phoenician alphabet

وما يعطي هذه الحضارة بعداً واسعاً هو انتشارها في أرجاء البحر المتوسط. فقد كان للفينيقيين مواقع تجارية في الكثير من الجزر مثل قبرص ومالطا وكريت وسردينيا وصقلية، ووصلوا إلى أطراف المحيط الأطلسي مثل قادش وجبل طارق ومواقع في الجزائر والمغرب مثل موغادور وغوريا وبنوا بعض المواقع في جنوب إيطاليا وإسبانيا وفرنسا. وتعيد الدراسات أسباب هذا الترحال الى البحث عن الذهب والفضة والمعادن الثمينة إلى جانب إيجاد أسواق تصريف لمنتجاتهم الصناعية.