جبران الرسام

Gibran Khalil Gibran the painter

بعنوان “قصة عبقري صنع أمجاده باللوحة والكتاب بين بشرّي وبوسطن وباريس” كتبت نهاد طوباليان من جريدة الانوار مقالا جيدا عن بدايات الفنان الخلاق جبران خليل جبران. ودعت الى إحياء الذكرى الخامسة والعشرين بعد المئة لولادة جبران باطلاق مشروع متحف وطني لرسومه ولوحاته في لبنان. نهاد تكتب في أوقات عصيبة على اللبنانيين أبان الوضع السياسي السيء، ولكن هذه قوة لبنان، فعندما تنوء الاحمال يجترع اللبنانيون أفكارا وطرقا للبقاء على المستوى الانساني والحضاري الذي برع فيه اللبنانيون كلّ أيام تاريخهم. نهاد تريد متحفاً، وفادي يريد رحلة بحرية وجبران ينتصر على المرض فيرسم روحه وآمال ارواحنا.
—————
كتبت نهاد طوباليان:

ألم اخبرك كيف رأيت وجه النبي?
ذات ليلة كنت أطالع كتاباً، وانا في فراشي، تعبت. توقفت وأغمضت عيني…
وخلال هذه الغفوة رأيت ذاك الوجه واضحاً وجلياً.. ودامت الرؤيا على وضوحها دقيقة ودقيقتين ثم اختفت). و(النبي)، كان محاولة مني لإعادة رسم (وجه يسوع)، وما اكثر ما عانيت في (النبي). أكون الى مائدة… واذا بالوجه يتراءى فجأة. فأرى منه ظلاً، او خطاً معيناً.. فأتمنى الذهاب الآن الى المحترف لأضع هذا الخط مكانه في اللوحة. واكون احياناً نائماً، فاستيقظ فجأة، وقد اتضحت لي تفاصيل جديدة، فأنهض وارسمها.

مقطع من أحد رسائل جبران خليل جبران دونتها ماري هاسكل في يوميات 16 حزيران 1923، واليوم بعد خمسة وثمانين عاماً على هذه الرسالة، وفيما يحتفي لبنان بالذكرى الخامسة والعشرين بعد المئة لولادة جبران خليل جبران (1883 – 1931)، وبعدما شغل جبران بكتاباته العالم برمته، يسلط الضوء حالياً على جبران الرسام… الذي ترك 526 لوحة ورسماً اوصى بها مع اغراضه الشخصية ومكتبته الخاصة لماري هاسكل في تحية وفاء لما قدمته له وقائلاً لها (اذا ما وجدت مناسباً ارسال الأغراض الى بلدتي بشري هذا يعود اليك).
ماري هاسكل احتفظت بـ 84 لوحة ورسمة، وارسلت 442 لوحة ورسماً الى بشري، لتفتتح بالـ 84 لوحة متحفاً خاصاً حمل اسم (Tel Fair Musuem of Art) في مدينة سافانا بولاية جورجيا الاميركية… فيما اللوحات التي وصلت الى متحفه في بشري يعرض منها القليل… على وعد بأن تعرض جميعها في متحف خاص قائم بذاته، علماً ان اللوحات التي لم ترفع في المتحف، كشف عنها وللمرة الاولى امام الجمهور اللبناني في خريف 2003، في الذكرى العشرين بعد المئة لولادته… فتشكل المعرض الذي اقيم في الأشرفية صفحة جديدة ولقاء جديداً مع جبران الرسام.
واليوم، وفيما لبنان يحتفي بفيلسوفه، تبرز الحاجة الى المطالبة باقامة (متحف جبران الرسام) كمعلم ثقافي يعطي للفسحة الثقافية بعدها الروحي، لما للوحات جبران من دلالات عميقة وتساؤلات عن الانسانية والوجود والكينونة، التوالد والتناسل، الأجيال المتعاقبة، الرموز، الأثير، الوجوه المسكونة بلحظة براءة… دلالات وتساؤلات خطها جبران الرسام على القماش بالرصاص والفحم والطبشور القرميدي، والاكواريل والفراش…
تردد بالوانها الباهتة تارة والزاهية احياناً، ما سبق وقاله جبران ذات يوم عنها (اعرف ان في كل اعمالي هناك شيء غريب. الفن اريد ان يكون جديداً. لو لم أكن اعرف ذلك، لكنت رميت ريشتي والواني بعيداً عني). فماذا عن جبران الرسام الذي كتب لماري هاسكل في 20 تشرين الثاني (افتحي عينيك جيداً وانظري تجدين صورتك في كل الصور)… وجبران الذي ترك لنا إرثاً فنياً خالداً، نستحضره اليوم سيرة ذاتية لرسام قبل ان يكون كاتباً.
السيد المسيح في رسومه
جبران خليل جبران، هذا العبقري من بلادنا، بلاد الأرز الذي نشأ في ظلاله، والذي ابصر النور في بشري في 6 كانون الثاني 1883، وتلقى في مدرسة الخوري جرمانوس التابعة لدير مار ليشع اوليات السريانية والعربية، تفاعلت في أعماقه ومنذ طفولته عوامل عدة: التربية الدينية، روعة الطبيعة الشمالية وجمالات غابة الأرز الخلابة، وبطولة اسرته الجبرانية المعاندة للنظام المتصرفي والهوية العثمانية. جبران عرف منذ طفولته مرارة اجداده ومعاناتهم وهجرتهم الى الاميركيتين واوستراليا إثر نفي يوسف بك كرم، اذ تعرضت عائلته للمداهمات المتلاحقة، فأدت احداها الى سجن والده، وهو في الثامنة من عمره، بمقابل مصادرة جيوش المتصرف منزل الأسرة العريق واملاكها.
في التاسعة من عمره، سقط عن صخرة عالية بالقرب من دير مار ليشع، فانكسر عظم كتفه، وصلب على خشبة بضعة اشهر ليلتحم عظمه، فاكتشف في ذاته معنى الصلب الذي عرفه مشهدياً في طقوس الصوم وأسبوع الآلام، وهو ما يفسر حضور السيد المسيح في مجمل اعماله الأدبية والفنية، فيما الكسر في يده اليمنى اودعه ضعفاً لازمه طيلة حياته، ما دفعه لاقتناء عصا. ومع بلوغه الحادية عشرة من عمره، خرج والده من السجن، فيما كان الجوع يهدد أسرته، ما دفعها الى مغادرة لبنان عبر بوابة مرفأ بيروت في 25 حزيران 1895 باتجاه مدينة بوسطن في الولايات المتحدة الاميركية.
جبران الرسام او جبران الكاتب? فيما تلازم جبران كلتا الصفتين: الرسام والكاتب، فان صفة الرسام قد تقدمت على صفة الكاتب في بداياته، ذلك ان جبران بوصوله الى الحي الصيني في مدينة بوسطن الاميركية، التحق في أول ايلول من العام 1895 بمدرسة الغرباء في اوليفر بليس التي لم تقبله إلا عاماً واحداً، لتكتشف مدرسته جيسي فيرمونت موهبته في فن الرسم، وتبعث برسالة الى رئيس النهضة الأدبية والفنية في بوسطن فرد هولند داي، تعرفه بالفتى الموهوب، مختصرة اسمه فيها بـ (خليل جبران)، ليتولى هذا الاخير التعريف به في اميركا.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأسرة تعمل بجد لتحصيل لقمة العيش، من خلال الخدمة في البيوت، وبيع الأنسجة اليدوية التي تحيكها مريانا شقيقته، ومن الدكان الصغير الذي اقتناه شقيقه بطرس، كان جبران يرسم تمثال (الباخوسيات) بقلمه الفحمي الملوّن ويقرأ بشغف ما يقدمه له داي الشغوف بالنماذج الشرقية، والذي تعرف اليه في 9 كانون الأول 1896، حيث كان هذا اللقاء فاتحة المستقبل المشرق لجبران، اذ طلب منه رسم غلافات بعض الدواوين الشعرية.
نقطة التحوّل الأساسية في حياة جبران كرسام كانت في الثامن من آذار 1898، حين افتتح معرضاً خاصاً له، مضمناً اياه مجموعة لوحات لجبران. وبعد اقل من سنة على المعرض، وتحديداً في ايلول من العام ذاته عاد جبران الى لبنان حيث التحق بمدرسة الحكمة في بيروت شتاء، وليمضي الصيف في بلدته بشري، وبمقابل نشر مجلة النهضة مقالاته، كان جبران يواصل الرسم بعدما بدأ يتردد على محترف الفنان حبيب سرور… في هذه الأثناء، كانت محطة حب في حياته، اذ وصلته رسالة (جوزفين بيبادي) تبدي فيها اعجابها بفنه، بعدما سلمها داي رسماً بريشة جبران انجزه في بوسطن قبل سفره الى بيروت.
في اوائل نيسان من العام 1901، عاد جبران الى بوسطن حيث كان في انتظاره سيل من المآسي، تجلّت اولاها بوفاة شقيقته سلطانة بمرض السلّ في 4 نيسان 1901، فوفاة شقيقه الأكبر من والدته بطرس بالسل ايضاً في 12 آذار 1903، فوالدته في 28 حزيران العام 1903 بداء السرطان… فكان لهذه المآسي وقعها على جبران الذي تركته أسير عواطف محطمة ونفسية مهشمة، توجها رفضت جوزفين بيبادي الزواج منه… لينصرف الى كتابة (دمعة وابتسامة)، والاحتفاظ بمخطوطته لسنوات طويلة قبل ان ينشرها في العام 1914، وبعدما اقام معرضاً للوحاته في العام 1904 في محترف (داي) الذي التقى في خلاله ماري هاسكل التي تذكرت الدعوة الموجهة اليها للمعرض قبيل ساعات قليلة من انتهائه.
هذا اللقاء بين هاسكل وجبران قبل اقفال المعرض، شكل بداية علاقة طويلة، افتتحتها باقامتها معرضاً لرسومه في مدرستها… في خلال ذلك العام – اي 1904 – تلقى جبران صدمة جديدة اثر احتراق لوحاته الأربعين، بعدما شارك فيها في معرض (هاركو ستويد). صدمة دفعته الى العطاء والإبداع، بعدما التقى امين الغريب صاحب مجلة (المهاجر) الذي خصّه بزاوية دائمة في مجلته. العطاء والإبداع تجلى في كتابته، ونشره كتابه الأول (الموسيقى) عام 1905، فكتابه (عرائس المروج) عام 1906 ويقدم له امين الغريب، يستتبعهما بـ (الأرواح المتمردة) عام .1908
قصة صداقة
الصداقة التي نشأت بينه وماري هاسكل دفعت بهذه الأخيرة في العام 1908 الى مساعدته عبر ارساله الى باريس لدراسة فن الرسم، بمقابل تكفلها نفقات السفر والاقامة التي بلغت في حينه 75 دولاراً شهرياً. وفي حزيران من العام ذاته، التحق جبران بأكاديمية جوليان، اقامته في باريس سمحت له بزيارة قصر فرساي، فأعجب بلوحة (الموناليزا)، ليبدأ بعدها رحلة جديدة من الرسم: رسم المشاهير، ومطالعة نوابغ الأدباء الانكليز والفرنسيين والالمان.
المحطة الفرنسية استمرت خلال العام 1909، فتعرف على الفنان يوسف الحويك وصادقه، وشارك في معرض (الربيع) بلوحة اسماها الخريف، نال عليها الميدالية الفضية، ليعود بعدها الى بوسطن في اوائل تشرين الثاني من العام 1910، وليعرض على ماري هاسكل الزواج برغم فارق السن بينهما – عشر سنوات – ولتتوطد صداقتهما حتى تاريخ زواجها من لورنس هاسكل عام .1926
العام 1911، شكل محطة مفصلية في حياة جبران الرسام، اذ شهدت لوحاته رواجاً مميزاً، فكانت تدرّ عليه المال الوفير، ما دفعه في اواخر نيسان في العام نفسه الى الانتقال الى نيويورك، وافتتاح محترف له، اتخذ منه مقراً دائماً لم يفارقه الا بوفاته في العاشر من نيسان .1931 في هذا المحترف، استسلم جبران للرسم، اذ رسم بورتريهات لشخصيات من المشاهير امثال: ساره برناره، راسل لوفليان، يونغ وغيرهم، وليقيم في العام 1914 في قاعة (مونتروس) النيويوركية معرضاً للوحاته… وحين شعر بدنو ساعته من جراء تدهور وضعه الصحي، انصرف جبران الى الرسم والتأليف بغزارة قبل ان يلفظ انفاسه الأخيرة قبل العاشر من نيسان 1931، وليترك للعالم آثاراً ادبية وفنية لا تزال لليوم موضع تكريم وحفاوة، والأهم دراسة وتحليل في عمق ما رسمه وكتبه.
واليوم، فيما السؤال بعد يطرح ما اذا كان جبران النبي، كاتباً وفيلسوفاً ام جبران الرسام، يجيب حافظ متحفه وامينه وهيب كيروز في احدى المقالات التي كتبها (جبران فنان جسد في الشكل ما لم يتبلور مفهوما عقليا ادته الكلمات. الشكل الفني عند جبران يخرج عن اي مقاييس مدرسية كلاسيكية معينة، ليقول كيروز في مكان اخر مما كتبه عن جبران الرسام (قد يمتص جبران كل عناصر الشكل لديه من مختلف المدارس، بدءا من التلطيخية وحتى الكلاسيكية في اصولها، الا انه لا يرتبط بأي من هذه المدارس. وهذا هو المدخل الاول الى خصوصية جبران في اسلوبه ولوحته.
لجبران بصمة خاصة في عالم اللون تنبع من اصراره على ترجمة عالمه الداخلي على القماشة من دون الانصياع لأي قوالب جاهزة، فركز على الماورائيات والاساطير والملامح الانسانية الصافية، في توليفات تحاكي الفلسفة في شكلها الجدلي، يكتب كيروز ويضيف، ان جبران في لوحاته قد يجتاز جبران في كتاباته. انه في خلقه العوالم التي وصل اليها، نشعر بأنه ابعد من العوالم التي قالتها كلمته… لكن هناك اشكالية اخرى وهي ان باحثي جبران اهتموا بعالم الفكر والشعر والادب الجبراني، ولم يعيروا رسمه ادنى اهتمام، لذا ما قالوه عن جبران الفنان من خلال لوحته هو ساقط سلفا، لأنه لم يعط لانفسهم الزمن الضروري ليدرسوا جبران في لوحته، فجاءت اراؤهم على سبيل الاعتباط والهباء.
وهيب كيروز، هذا الجبراني العتيق الذي يلازم جبران بتفاصيله الصغيرة والكبيرة، والغائص في فكره ولوحاته، ما دفعه الى الكتابة فقط عن جبران، (عالم جبران الفكري)، (عالم جبران الرسام)، جبران في متحفه، و(جبران في عصره: محاولة لتغيير عصر)، هذا الكيروزي العاشق لجبرانه، والمتعمق في تحليله لرسمه كما لفكره، يرى في احدى مقالاته ان الدارس للوحة جبران سيلاحظ تأثيرا غير مباشر لفنانين كبار مثل (رودان) الذي نهل منه عنصر القوة والعظمة، كما ولا يمكن تجاهل لهب المتانة والقوة عند مايكل انجلو، وكذلك لا يمكن تجاهل اختبارات (اوجين كارتيه) في موضوعات وتفاصيل الامومة والكآبة. ومناخات لوحة جبران ليست ببعيدة عن رهافة ليوناردو دافنشي وبونيس دي شافال، والفن اليوناني، لكن جبران نهض بلوحاته نحو فضاءات صوفية، تعكس نظرة جبران الى الحياة، والى نفسه التي جهد ليقدمها في اطار من الروحانية والعمق والوقار، علما انه لم يكن كذلك في حياته اليومية.
المراحل الخمس
جبران الرسام، وفق ما خلص اليه كيروز في كتابه (جبران في متحفه) بعد قراءته للوحاته ورسومه، انطبعت سيرة جبران خليل جبران وعرفت مراحل خمساً في عالمه (الرسم) هي:
مرحلة البدايات من عمر السادسة او السابعة الى حين الرسم بالزيت في العام 1908: في هذه المرحلة، يتحدث جبران في لوحاته. هو نواتها. والذين عرفوا طفولته، يصفون اعماله بانها رسوم بالرصاص والفحم واقلام التلوين. رسوم مخصصة لكتب طبعها في بوسطن، وشكلت اول معرض له عام 1904، وهي رسوم تعود الى نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين الماضي، وتحمل ضبابية، رؤيا غير قادرة على التحول الى تركيب صلب، لكنها ايضا بدايات تشكل عنده شاهدا على الرؤيا والعالمية. في نهاية هذه المرحلة، اكتشف جبران العري، ليبدأ معه اسلوبا خاصا به، لكنه اسلوب وسط الضبابية والتجوال في الخيال وعوالم مجهولة وبعيدة وغريبة.
المرحلة الثانية من العام 1908 حتى 1914: كل اعماله الفنية الزيتية تعود لهذه المرحلة من دون ان يغادر الرسم بالفحم، فيما محاولاته مع غير مواد الرسم كانت محدودة. وقد ارتكز تأليف لوحته على افاق تنطلق من العامل والطبيعة والانسان وسبحت، في الغيوم والارواح الساكنة في الاثير. هذه المراسلة في عالم جبران الرسام، ارتقت بالطبيعة كما الانسان، مرورا بوجوديته ككائن حي.
في تلك المرحلة، اخذت اللوحة عند جبران شكلا وحد بين كل هذه الافاق في حركة مستمرة، ولكن محددة لكل التفاصيل. استمرارية اللوحة تعكس بداية التطابق والانسجام في هذه التركيبة الهندسية حيث العناصر متلاحمة، في اسلوبه مر بمراحل مستوحاة من المدارس الفنية، لكن اسلوبه هذا حافظ على شخصيته الخاصة فيها: اللحن، الحركة المتماوجة، الاستمرارية، والانحناءة الرقيقة… وجبران، في ظل الصراع الذي كان قائما بين المدارس الفنية مطلع القرن العشرين الماضي، عرف ما يختار ينتقي ليغذي احاسيسه الشخصية التي كان يخفيها وراء كل الخطوط والالوان والاشكال، ما عكس تأثيره الشرقي وتعدد مظاهر الحياة والمتناقضات في بعض الاحيان. في هذه المرحلة، كان يحاول الغوص في خصوصيته الذاتية.
المرحلة الثالثة من العام 1914 – 1918: وفيها تخلى جبران عن الرسم بالزيت ليعود الى الفحم، على خلفية تأكده من ان الرسم بالالوان، عاجز عن تجسيد العوالم التي يريد خلقها. انه سيد اسلوبه. يبسط عناصره: هي اوراق تسمح باعطاء مختلف الاشكال، وسمفونية رقيقة لنغمات لا تنتهي، هذه كانت مرحلة البساطة والعالمية عند جبران، ومرحلة القدرة على تجسيد الرؤيا بوضوح وكمال. فيما افضل ابداعاته في هذه المرحلة، تلك التي تجسد شعره (المجنون)، و(المواكب)، حيث الخطوط بلغت اقصى الانحناءات من خلال الرسم بالفحم، والاكواريل، ذلك انه لاستكمال كمالية الرؤيا، يجب ان تستقطب المدى السماوي في زرقته الصافية. الخطوط في هذه المرحلة، تشير الى الافق فيما الاكواريل هو لحنه واغنيته، الخلق في هذه المرحلة بالذات، اصبح تحدياً لجبران لجهة ايجاد اشكال تطابق الرؤيا الجديدة عنه. وهو ما يفسر ما سمع يقول عن نفسه (انا مبتكر الاشكال ومبدعها).
المرحلة الرابعة من العام 1918 حتى العام 1923: وهي مرحلة الانتهاء من كتابه (المجنون) والتحضير لكتابه (يسوع ابن الانسان). في هذه المرحلة، اكتملت لدى جبران معرفته بالعالم ولكن من منظور جديد. الالوان اصبحت اكثر انسيابا، في الرؤيا تتولد من البعد الروحي والسرمدي. مع هذه التحولات، شعت الالوان والاشكال، فالنور يخرج من الانسان، والحياة تتولد في النور، لكنها ولادة معطوفة على الوجه والالم البشري، ذلك ان القدر يجعل الانسان وان كان يبلغ ذاته، يعيش ويعاني تنوعات العلاقة بين ما هو نسبي ومطلق. وسط كل ذلك، اصبح الرمز الوسيلة الاجدى لتجسيد المسافات والالام. النسبية داخل المطلق اعطت للمحيط الانحناءات الرقيقة والدوائر، ولوحات النبي هي الاكثر تعبيرا.
المرحلة الخامسة: 1923 – والنهاية البداية 1931: وهي مرحلة اكتشاف الرمز المثال الاعلى (المصطفى). فبعدما كانت المقدمة في (يسوع ابن الانسان) تميز اللوحة اكمال المرحلة التي سبقت، منذ وجه (النبي) الى وجه (يسوع) والتموجات الى الدوائر المركز والشفافية. الرؤيا اصبحت مكشوفة، اما الوجهة الاخرى فهي (الهة الارض). في هذا الكتاب يلخص جبران كل رؤيته في تكوين العالم في اطار فكرة حلول الابدية في ليل وزمن صامتين، معها تنبعث شخوصه من رموزها، القوة، الذكاء، والحب وفق تسلسل تطورها.
انها مرحلة النضوج والتقدم والسمو. الوقت هو العنوان والتعبير ونقطة الانطلاق الجديدة في قراءة جديدة للعالم على خلفية الناضج، بعدما اصبح المظهر واضحا. اللوحة في هذه المرحلة جاءت في حوار ثلاثي، الوان داكنة في عدد من اللوحات، زمن مثقل، وفيما الادراك البشري لم يكن قد تفتح، ادرك جبران نفسه وذاته. هذه الكثافة التي كدّسها، لا تعكس ايا من المرحلتين الاولى والثانية في حياته، انما هي مرحلة تاريخ طويل ومستمر للحياة. وفي الوقت الذي بقيت فيه المبادئ والتقنيات نفسها، شهدت الرؤيا تحولات لاعطاء مختلف المخلوقات الانسانية والعالم، اساسا للحقيقة في عالم جبراني.
وبعد، وفيما لبنان اليوم يحتفي باليوبيل الخامس والعشرين بعد المئة لولادة جبران خليل جبران، جبران النبي و(يسوع ابن الانسان) وغيرها من المؤلفات، من خلال سلسلة من الندوات، تحتفي جامعة سيدة اللويزة بـ (جبران الرسام)، فيما المطلوب اليوم، اقامة متحف خاص لرسوم ولوحات جبران، يشكل وجهة رئيسية للوقوف على ما تركه من اعمال فنية ذات بعد روحاني لوجودية الانسان، عسى ان ينهل منها الجميع هذه الفلسفة التي جسدتها لوحة تروي ما لم يروه في كلمة وفي كتاب.