لغة “هجينة” تجتاحُ الواجهات مَلكتُها… “إشكمانات”


الياس قطار من البلد.
وكـــأنّ أذن اللبناني لا تــكــفــيــهــا مــصــائــب الأخــطــاﺀ اللغويّة التي تهبط عليها من أفــواه كــــبــــار الــــصــــفّ حــتــى يأتي دور العين هذه الـــمـــرّة فــي “هـــفـــواتٍ” مكتو بة تتنقّل بخفةٍ وبصراحة في الشوارع وتـــتـــربّـــع بــاســتــئــذان عــلــى لافـــتـــاتٍ مــداخــل ا لــمــنــا طــق فتلتقطها العين المثقفة والعين البسيطة على حدّ سواﺀ.

هي ليست قصّة حركاتٍ لا بدّ من أن تزيّن بعض الخطابات حتى لا يقابلها اللغوّيون المستمعون بقهقهات هزﺀ على غباﺀ لم يحل دون وقوع صاحبه في شرك اعتماد بديهيّات لغويّة تخدش الأذن. بل هي حكاية أخطاﺀ بصريّة منها ما يندرج في إطار الترجمات الخاطئة ومنها ما يدخل في خانة الكتابة الإملائيّة المثيرة للضحك.

كثرٌ قد يظنونها “شحبرات” على جدران ارتأى بعض اللاهين وضعها للتعبير عن غراميّاتهم، ولكن عندما يكتشف المارّ أنه ليس جدارً ا عامّا بل حائط خلفيﱞ لجامعة راقية تقع الصدمة على رأسه لأن عينيه لن تتقبلا قراﺀة جملة تشوبها الأخطاﺀ التعبيريّة والإملائيّة على غــرار أن تغدو: “ممنوع ركن السيارة تحت طائلة المسؤوليّة” على الشكل التالي: “ممنوع صف السيارة تحت طائلة المسؤليّة” وبـــواو واحـــدة وعلى جدار إحدى الجامعات وبكلّ فخر.

وإذا كان العتب يقع على جامعة، فلا يعود حينها لمحاسبة بعض أصحاب المتاجر والمحال أيّ معنى أو ضرورة وإن كانت العين لا تقوى على مقاومة بعض التعابير الغريبة على اللغة وإن كانت غرابتها تثير الضحك. فماذا لو قلنا مثلاً إنّ كلمة “إشكمانات” تكاد تكون الأكثر انتشارً ا في شوارع لبنان وأزقته؟

وماذا لو أصبح الـ Faux “” bijoux “أكسسوارات خاطئة” على واجهة أحد المحال؟

وبــعــد… مــن عالم الميكانيك تنبع مئات الــكــوارث المترجمة بــــــدﺀً ا “بـــالـــفـــرام وصــــــولاً الــى الشمبريير مرورً ا بالأموتيسيرات والأماتيسورات” و “تغيير بادي” فــي إشـــارة الــى هيكل السيارة () Body وليس في أيّ مكان بل لــدى “ملك البوليش”. وليتها تبقى على شفا ه طيّبة عفو يّة تنطق بما مُنِح لها من علم، بل تتخطى ذلـــك لتصبح واجــهــة للمحلّ وهمزة وصل بين صاحبه والزبائن. ومــن عالم الإعــلانــات لا شــيﺀ يمنع أحــد المنتوجات من الفوز بقلوب الناس ليس بالتزكية بــل “بــالــتــذكــيــة” عــلــى لافــتــاتٍ عملاقة تجتاح الــطــرق. وعندما “تحزّ الحزّة” ويأتي الدور الى لعبة اللغات يفرض الحلّ الوسط نفسه: بين الترجمة العربيّة الحرفيّة التي قــد تفقد الكلمة معناها وبين إبقائها على لغتها الأمّ بحيث قد يصعب على بعضهم فهمها، إرتأى أصحاب بعض المحال اللعب على وتر إبقاﺀ الكلمة على حالها ولكن بلفظ وكتابة ملبنَنيْن. وهكذا يولد معجمٌ خاصّ يجمع اللغتين العربية والأجنبيّة من طرفيهما ويبتدع لغة هجينة تنتشر كالوباﺀ بين اللبنانيين على غرار: “كروتِت التشريج، ومدبرسي للتعبير عن الضغط النفسي”.

إذا كانت تلك العبارات التجاريّة تـــعـــتـــرض الـــعـــيـــن فــــي بــعــض المحطات الخاصّة والمحصورة، فما بالك إذا كان بعضها يطالعك عند مداخل القرى التي ترحّب بك وإن بجمل تعجّ بهفواتها اللغوية والمُترجمة. فمن السهل جدً ا أن تقرأ على لافتة إحدى القرى عبارة “أهلاً وسهلاً” مع ترجمةٍ ارتأت البلديّة وضعها لتصبح الجملة نفسها بالفرنسية: “” Répétez la “bientôt والـــتـــي يمكن ترجمتها الى العربية بـ” زورونــا مــجــددً ا”. أمّــا” شكرًا لزيارتكم “فتصبح في الفرنسية” Merci “à” votre visite لتفرُقَ “مع صاحب الإبـــداع على حــرفٍ كان يجب أن يكون” “de فأصبح”. “à أمّا للإنكليزيّة فرواياتها وقصصها التي لا تنتهي. فمن قال إنّ رادعً ا سيحول دون أن تستقبلك إحدى القرى الجنوبيّة المعروفة بحرفٍ ناقصٍ في نهاية الترحيب فتجده مخطوطً ا بالأبيض العريض على أزرق صريح مع عبارة You” are “welcom مع حذف الـ” “e حتى إشعار آخر.

عــدا الأخــطــاﺀ اللغويّة، تجتاح بعض اللافتات والإعلانات موجة تــخــريــبٍ مــقــصــودة ولــعــلّ أبــرز معالمها اســم منطقة بــات على كلّ لسان ليس لأنّ الواقع يقول ذلك بل لأن بعض المخرّبين قرروا أن تحمل لافتة “برجا” بالأجنبيّة أربــعــة حــــروفٍ جــديــدة لــتــبــدّل المعنى في إيحاﺀ الى فريق كرة قدم إسباني هو “برشالونا” مع فارق حرف واحد، إذ تشير اللافتة صراحة الى كلمة “” Barjalona وإن كانت الحروف الأربعة الأخيرة أضيفت بخطّ الــيــد. ومتى غاب التخريب المتعمّد تأتي الأمطار لتمحو بعض الحروف من اللافتات كأن يصبح أحد الفنادق “وتيل” بدل “أوتيل”.

ومن القرى الى مصففي الشعر و ا ختصا صيّي ا لتجميل قصّة أخــرى مع المعجم الخاصّ. فمن مهنةٍ مجبولة بالكثير من التعابير “المفرنجة” تنبع الـ “” بيديكير “وتـــتـــصـــدّر الـــــ” مــيــنــيــكــيــر أو مينيكور “و” الروج “و” الماكيّير “واجهات بعض الصالونات التي لا تأخذ على نفسها كتابة الصنعة بلغةٍ أجنبيّة حرصًا على صيتها الــشــعــبــي وبــعــيــدً ا مــن مظاهر” الأرستقراطيّة”. وتستريح الـ “براشينغ” والـ “إستيتيك” والـ “بيلينغ” والـ “شامبوانورة”. أمّا الأهمّ من كلّ ذلك فتلك اللافتات الــتــي تــقــودك الــى بعض هذه الصالونات سواﺀ كانت ذكوريّة أم أنــثــويّــة. فــمــن تــمــرّد منهم على اللغة العربيّة فــي إشــارة الى “اشمئزاز” ما من ترجمة قد تُسقِط الصالون وصيته في نظر زبائنه المتفرنجين والمدّعين، وقع في فخّ الخطأ “الأورتوغرافي” فــحــمّــل واجــهــة صــالــونــه عــبــارة Salon “pour” dammes مع “” m زائدة، أمّا الرجال فتحوّلت بعض صالونات الحلاقة الخاصّة بهم الى صالونات خاصّة بالبيوت.

نعم ا لبيو ت وإ لاّ كيف تُفسﱠر عبارة: Salon “pour” home بدل.Salon “pour” hommes ســـواﺀ سلمت تلك اللافتات من بعض الأخطاﺀ أم لم تسلَم، تبقى بعفويّتها وشعبيّتها مجرّد هــفــواتٍ تضمحلّ أمــام الأخطاﺀ الكبرى التي تتصدّر شفاه بعض مدّعي البلاغة والفكر. وبين خطأ “الــكــبــار” وهــفــوة “الــصــغــار” يبدو أنّ الأولى تخدش والثانيّة تثير الــضــحــك وشــتّــان مــا بين الشعورين.