صناعة الحرير… غزل من ورق


نادر حجاز من البلد.

انه ملبوس الاثرياﺀ والارستقراطيين مما جعله انتاجا فاخرا يتنافس صناعه على تقديم اجمل الاثواب واكثرها دقة وزخرفة وتطريزا، كانت الصناعة التي جمعت ما بين الشرق والغرب فما نسجته اياد في الصين ترتديه ملكة في اوروبا… انها صناعة الحرير.

للحرير شهرة عالمية لا تقتصر على منطقة واحدة او سكان مدينة صغيرة فــي اقــطــار الــعــالــم انما صناعة من افخر الصناعات وهي قديمة جدا، وعرفها لبنان وعرفت اوجــهــا فــي الــقــرن التاسع عشر ولكنها عــادت لتندثر مع مطلع القرن العشرين الا انها كانت من ابرز الصناعات اللبنانية، هذا اذا ما عدنا الى الشواطئ الكنعانية حين البس الفينيقي اجمل ملكات الارض من الاثواب الحريرية التي كانوا يصنعونها بالاحمر الارجواني تاركين عليها عبق اساطير تروي معجزة الولادة والموت باستمرار، كلما انــبــتــت شــقــائــق النعمان وتفتحت براعم العذارى على مذبح عشتروت.

يــعــود اكــتــشــاف الــحــريــر الــى اعــوام قديمة وتقول الرواية انه وفي العام 2700 ق. م واثناﺀ حكم الامــبــراطــور الصيني هــو انجدي “حــاول الامبراطور معرفة سبب تلف اشجار التوت الخاصة به في حديقته فاكتشفت زوجته وجود ديــدان بيضاﺀ تقوم باكل اوراق التوت وتغزل شرانق لامعة، ثم قامت الزوجة باسقاط الشرنقة فــي الــمــاﺀ الــســاخــن عــن طريق الصدفة فلاحظت ان خيوطا رفيعة تتشابك وتتفكك من الشرنقة فبدأت بسحب الخيط من الشرنقة” وفــي هــذه الــحــادثــة البسيطة تم اكتشاف الحرير في الصين البلد الاول الـــذي عــرف صناعة الحرير. كذلك حوالي العام 1000 ق. م وكــان لهذه الصناعة تأثير كبير في كل المجالات التاريخية والاجتماعية واثر في حياة ابناﺀ الشعب وانتاجهم، فكانت ثقافة الــحــريــر مــن روائـــع ثقافة الامــة الصينية، والتطور الذي لحق بهذه الصناعة جعلها تشكل غنى ليس فقط للملبوسات انما للاساليب التعبيرية والمضامين للفنون كالاداب والشعر والرسم والنقش والرقص والفولكلور. واكثر من ذلك شكل الحرير رابطا ثقافيا مهما بين الشعوب والامم، وما طريق الحرير ســوى شاهد على ذلــك التبادل والــتــرابــط الثقافي بين الشرق والغرب وبين الثقافة اليونانية والفارسية، وهذا الطريق هو مسار بري من العصور القديمة والوسطى ويبلغ طوله حوالي 6400 كيلو متر، وكان يستعمل لنقل الحرير من الصين الى اوروبا وكان مساره يمتد الــى الغرب عبورا بصحراﺀ غوبي وسمرقند وانطاكية حتى موانئ البحر المتوسط في اليونان وايطاليا والشرق الاوسط ومصر “واطلق عليه اســم طريق الحرير الجغرافي الالماني فريديناند فون ريتشتهوفن واستحقت الصين بذلك لقب بلد الحرير.

يعتبر الحرير ثالث المواد الخام اهمية لصناعة النسيج بعد الكتان والــصــوف، الا ان الحرير من اقوى الالياف الطبيعية وخيطه اقوى من شعيرة من الفولاذ وله مرونة عالية عند شده، ويتميز ببريق طبيعي قل ما تراه بالياف اخرى، ويمتص الحرير الرطوبة ولا يبدو عليه البلل وله القدرة على احتمال درجات حرارة عالية تصل حتى 140 درجة ويتحلل على درجة 170. الحرير خفيف الوزن، ادفأ من الملابس المصنوعة من القطن والكتان، ويمكن كي الحرير بسهولة لانه مقاوم للانكماش.

امــا صناعة الحرير فتتطلب شــرانــق جــيــدة وتــأمــيــن الامــاكــن ا لمجهز ة بمستلز ما ت ا لتر بية والاستفادة من وحــدة المساحة المزروعة بالتوت. وصناعة الحرير يسبقها نشاط زراعي فهي تعتمد على زراعـــة اشــجــار الــتــوت التي تعيش ديدان القز على اوراقها، وانــتــاج البيض وتربية الديدان وانتاج الشرانق ومن ثم حل الحرير وغــزلــه امــا طريقة صنع الحرير والادوات المستخدمة فتغيرت ما بين الماضي واليوم ولا سيما في ما يتعلق بالادوات اللازمة للتربية.

في ظل الحكم الروماني كانت الشواطئ اللبنانية تستورد الحرير الخام من الصين التي كانت تحتكر هــذه الصناعة وتــعــد مــن اثمن الكماليات، الا ان اثرياﺀ الرومان اقبلوا على لبس الثياب الحريرية اقبالا كبيرا، فبعد العام 115 ق. م كــان الحرير الصيني والاقمشة الحريرية الصينية تصل البلاد الى احد الموانئ اللبنانية حيث كان يصبغ ويحاك ثم يرسل اقمشة تروق في عيني الروماني ويقول فيليب حتي انه “كان في بيروت وصـــور انـــوال يهيأ بواسطتها الحرير الخام لصبغه بــالارجــوان وكان الحرير الارجواني اغلى انواع الحرير “وفي عهد الامارة في جبل لبنان نشطت كثيرا صناعة الحرير.

ويقول المرجع نفسه بان “الحرير اللبناني يعتبر من اجــود واثمن انواع الحرير وكان الطلب على حرير طرابلس الناصع البياض كبيرا لان الصناع كانوا يؤثرونه على غيره مــن الحرير فــي اعــمــال التطريز المذهب والمفضض امــا حرير الشوف، الــذي كان اخشن قليلا من حرير طرابلس، فانهم كانوا يستعملونه في صناعة النسيج المخملي، وكــانــوا يستعملون حــريــر بــيــروت فــي صــنــع قماش التفتا والستائر واغطية الفرش، وكان التجار الافرنسيون يبتاعون سنويا من حرير لبنان ما قيمته مليونا فرنك افرنسي ذهبي وكانت تجارة صيدا السنوية تقدر بمليون الى مليوني ليرة افرنسية ذهبية”.

ومع مطلع القرن التاسع عشر كانت هــذه الصناعة فــي اوجــهــا ففي العام 1841 اسس “رجل فرنسي اسمه فورتينه بورتالس معمل حل للشرانق في بلدة بتاتر، ثم تبعه رجل اسكوتلندي اسمه سكوت واســس معملا آخــر فــي شملان، وكان المعملان من اقدم معامل الحرير في البلاد، وبذلك صارت تربية دود الحرير وزراعــة التوت مصدرين رئيسيين من مصادر ريع الفلاحين في لبنان.

اســتــمــر مــوســم الــحــريــر من المواسم الاساسية للبنانيين حتى اندلاع الحرب العالمية الاولى ومع العلم انها لم تندثر وتتلاشى كليا اذ بقي وحتى زمن قريب جدا فلاحون كثيرون يكسبون عيشهم من انتاج الحرير وبيعه الى فرنسا، “وبعدما كانت تربية دود الحرير وشجرة الزيتون تأتيان في الدرجة الاولى في قائمة الغلال الزراعية اصبح الاعتماد وبعد الحرب على زراعة الفاكهة والحبوب والخضار، فــقــد تــلاشــى مــوســم الــحــريــر، واستحالت مزارع التوت الى جنائن تفاح”.

وكانت ابرز اسباب التراجع في هذه الصناعة الحرب وما تركته من خراب للمشاغل وكساد للانتاج بسبب اقــفــال الاســــواق ودخــول منافسة اليد العاملة الارخــص ثمنا من دول شرقية، بالاضافة الى تطور صناعة الاقمشة التي حلت محل الحرير المصنع يدويا، اضف الى ذلك اهمال السلطات المختصة التي اقفلت مكتب الحرير الذي كان يؤمن البيوض واســـواق التصريف للمنتجين ولــم يبق للاسف اليوم اي من معامل الحرير في لبنان بعدما كــان فيه حــوالــي 175 مصنعا للحرير تصدره الى فرنسا. ولم يبق مــن هــذه الصناعة سوى متحف لذكراها في بلدة بسوس وكان معملا قديما للحرير حوله رجل الاعمال جورج عسيلي الى متحف للحرير يعرض فيه نموذج صغير، كيف يأكل القز الورق، كيف يصنع الــشــرنــقــة، كيف تسحب الخيطان منها فيصل طول الواحد الى 600 متر واكثر وكيف يحاك الحرير على النول القديم، بالاضافة الى مجموعة صـــور لــلــمــزارعــيــن مــن مــواســم القطاف.