من احتكار «المسيح» إلى «إمارة» صيدا

جان عزيز من الأخبار.
يوماً بعد يوم، عند كل محطة ومفصل، سيتبيّن مدى الخطأ والضرر اللذين رتّبهما تدخل بعض السلطة الكنسية في مجال من مجالات الحريات العامة، كما حصل مع المسلسل التلفزيوني، «المسيح».
أصلاً، يقع التدخل في خانة غير المقبول على ثلاثة مستويات على الأقل: على الصعيد الحقوقي الإنساني أولاً، وعلى الصعيد الميثاقي ثانياً، وحتى على الصعيد الإيماني المسيحي ثالثاً… غير أن تبعات التدخل تظل الأشد وطأة وخطورة.
على الصعيد الأول، أخطأ بعض السلطة الكنسية في تدخله، لأنه بذلك سجل على نفسه مخالفة صريحة لجوهر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما لمنطوقه الواضح. ومهما كانت آراء الظلاميين من كل جهة، على تناقضهم وتحالفهم الموضوعي، يظل هذا الإعلان، بفلسفته وديباجته وغائيته، الإطار العام للتفكير الحقوقي و«الحرياتي»، للعقل البشري (Eprsteme) المعاصر. وفي هذا الإعلان كفالة عالمية حاسمة للحق في «حرية التفكير والضمير والدين»، كما «حرية الرأي والتعبير». هل مثّل المسلسل التلفزيوني المذكور خرقاً لهاتين الحريتين؟ ليست المرجعية لتحديد ذلك من اختصاص أي مرجعية دينية، ولا يملكها إلّا مبدأ «تحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديموقراطي»… وهو ما قد يجد أي مشترع أو قانوني استحالة في أن يرى أن مسلسلاً تلفزيونياً قد هدّد تلك المقتضيات.
ثم أخطأت السلطة الكنسية بخطوتها هذه، على المستوى الميثاقي اللبناني. ذلك أن الدولة اللبنانية تلتزم في دستورها، وفي نص مقدمته «العضوية» ـــــ بالمفهوم القانوني الدستوري ـــــ الإعلان العالمي نفسه، وبالتالي فإن مرجعيته النظامية أعلى من المرجعيات الدينية، ومن المواد الدستورية الأخرى. لكنها أخطأت أكثر في الجانب العملي لحياة اللبنانيين الميثاقية، ذلك أنه إذا كرّست هذه السابقة في جعل الجهات الدينية مرجعية ضابطة وإكراهية لأطر التفكير والتعبير، فماذا يبقى لحيّز الفضاء الدنيوي والخاص والزمني؟ هل نتصور غداً مثلاً، قراراً كنسياً يلغي أجزاءً من الأدب الإنساني الحي؟ هل علينا أن نتوقع مثلاً حظر «تجربة» كازانتزاكيس، أو حتى «دايم» مارون عبود و«كافر» جبران؟ وهل علينا في المقابل أن نسلّم بصدور فتاوى تشطب من التراث الأدبي العالمي شطحات كاملة من «ملهاة» دانتي إلى «كواكب» محمود درويش؟ وهل تدري السلطة الكنسية أنها بذلك أقرّت للأجهزة الأمنية عمليات دهمها الدورية التي تنفّذ بصمت منذ عقد ونيّف، لمكتبة جامعة الكسليك، مطاردةً لمؤلفات أبو موسى الحريري؟
وأخطأت السلطة الكنسية ثالثاً، حتى على المستوى الإيماني المسيحي. إذ مَن قال لها إن ذاك الثائر الأكبر في التاريخ بات في وضع من الضعف أو الهشاشة ليدافع عنه بالحرم حيناً وبالحظر حيناً؟ مَن سمح لنفسه بأن يوحي أن ذاك الذي انتصر على أعتى إمبراطورية محتلة في العالم، وتغلّب على أقسى استابليشمانت فاسد ومفسد في التاريخ، و«قهر الموت بالموت»، بات اليوم في حاجة إلى بعض المظاهر الفريسية، للذود عنه وعن ألوهيته وتاريخيته؟ هو مَن أصرّ لحظة الموت على «رد السيف»، هل يقبل بسيوف الظلاميات القروسطية، في «زمن الحياة والقيامة»؟
قبل يومين جاء الرد النقيض، والحليف الموضوعي لسلطات التحريم من صيدا، أو من «إمارة صيدا». هناك حيث للوطن «الفريد» جنوب وعاصمة، رفعت لوحات طرقية كبيرة تصوّر شخصاً يشعل سيجارة وفوقه شعار كبير على طريقة راية صدام: «الله أكبر»، ومعه أمر النهي عن المنكر: «إذا كنتَ معذوراً، فاستتر». وإلى التدخين لائحة بالمحرّمات الأخرى: الأكل والشرب و…
مناسبة الإعلان المعلن، حلول شهر رمضان، لكن توقيعه المجهول وصاحبه المغفل، وإمراره من خارج الأصول الإدارية والقانونية لنشر الإعلانات على لوحات الطرق… كل هذه تشي بأبعاد أخرى للخطوة. ما الذي يضمن عدم تحوّلها تدريجاً، وسنة بعد سنة، إلى ممارسة زجرية، كراهية، تحت عناوين التكفير والتحريم، ونقل فعل الاعتذار إلى الإجبار؟ ما الذي يكفل عدم تطور مشروع «الإمارة» تلك إلى نظام المطاوعة، المطبّق أصلاً في الواقع، في أحياء كثيرة يعرفها العارفون ويسكتون عنها؟
مقلقة جداً إرهاصات الأصوليات الدينية في بلدنا. وأخطر ما فيها دفع العقل البشري إلى معادلة مغلوطة ومرفوضة: إمّا أن نقتل الله، وإمّا أن نقتل الإنسان…