المهندس المعماري الفينيقي حيرام أبي في معبد سليمان

من كتاب “الشيفرة الفينيقية – أسرار الكأس المقدسة” للمؤلف كريم الكوسا عن دار سائر المشرق. رواية من 453 صفحة. صفحة 143-147 تتحدث عن قصة أخرى مغايرة عن بناء معبد سليمان الذي يرتكز عليه الكثير من ايديولوجية الماسونية وبعض الجمعيات والنوادي الشبه سرية في كل انحاء العالم.

منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة

رغم أنّ المسألة لم تكن سوى إستذكار ألرّوايات التي أعتبرها بول مجرد اشعار وأساطير أثقلته بكآبة عصر ذلك الأربعاء، إلا أنّ الأحرف التي نتظمت بعضها مع بعض خيميائيَا، كانت تختلط باستمرار في ذهنه: الملك أحيرام، الملك حيرام، حيرام أبي، الحرفيون الفينيقيّون، الملك سليمان، العهد القديم، ألماسونيّة.

تجوّلوا بسلام عدّة أمتار نحو الجنوب، ثم وجّهوا أنظارهم نحو مسرح جبيل الروماني الرائع المشرف على البحر الابيض المتوسط‘ مسترخيّا بهدؤ لجهة الغرب. عندها تذّكر بول جيدا القصّة التي أراد أن يرويها.

بحسب العهد القديم، تمّ تشييد معبد سليمان بناء لطلب أخويّ وجّهه الملك سليمان إلى حيرام، ملك صور. وبما أنّ ألشعب العبريّ كان كناية عن بدو إعتادوا عبادة إلههم الوطنيّ يهوه داخل خيمة متنقّلة، فإنّ فكرة بناء معبد لتأوية إلههم، أذهلتهم إلى أبعد حدّ.

يروي العهد القديم كيف عيّن ملك صور أحد أفضل مهندسي البلاط المعماريّين، حيرام أبي‘ ليقوم بالعمل الذي تطلّب انجازه عدّة سنوات. بعض الوثائق التي أظهرت لاحقا كشفت أنّ المهندس المعماريّ حيرام أبي، طلب مساعدة الحرفيّين الفنيقيّين البارعين والعلماء من مدينة جبيل، لمساعدته في تشييد معبد سليمان.

تذكُر النّظريّة الأكثر تداولاً في الماسونيّة، والتي تتعلّق بإطلاق هذه المنظمة السريية، وجود روابط ماسونيّة أساسيّة نشأت مع تشييد معبد سليمان. لذلك‘ فالعناصر الرّئيسيّة في هذه النظريّية هي: الملك حيرام من صور، الملك سليمان من أورشليم، والمهندس المعماري حيرام أبي. تروي القصّة أن حيرام أبي قسّم حرفيّي المعبد الى ثلاث رتب، تتولّى كل رتبة مسؤوليّة محددة في تشييد ذلك المبنى العظيم. وقد احتفظت كلّ رتبة بأسرارها الخاصّة.

ترمز الرتبة الثالثة، الارفع، رتبة المعلم‘ إلى حيرام أبي، ألمهندس المعماريّ الأعلى للمعبد. والغريب في تلك المسألة، وعلى عكس القصّة التي وردت في العهد القديم، أنّ المؤرخين الماسونيّين أعلنوا أنّه، قبل إتمام تشييد المعبد، قام ثلاثة من الإخوة الأعضاء في المنظمة بقتل حيرام داخل المعبد، بسبب رفضه المسبق إئتمانهم على أسرار المعلميّة.

كان بول يعيد ترتيب القصة بشكل مستمرّ في ذهنه قبل أن يتفوّه بها على مسامع يمنى.

اختفى جثمانه، كما ضاعت كلمة المعلّم. أرسل الملك سليمان تسعة إخوة في مهمّة للبحث عن جثمانه داخل الهيكل، وعلى طول المنطقة المحيطة به. بعد عدة أيّام وليال من البحث المضني، عثروا عليه مدفوناً في الأرض. وبأعجوبة، نبتت شجرة أقاقيا حيث وجدوه، وأزهرت في تلك التّربة لتغلّف جثمانه المتآكل.

نقل الإخوة مباشرة الخبر المحزن إلى الملك سليمان. بكى سليمان خسارة صديقه وأخيه. لم يعد هناك معلم يشرف على المعبد! أيقن. هذا صحيح، لأن المعبد لم يكن قد اكتمل بعد، وبالتّالي، كان يحتاج ليسى فقط إلى مهندس معماريّ معلّم، بل إلى معلم ديني أيضاً! ارتأى. بصمت وسرّية تامة، أعلن سليمان نفسه المعلّم الجديد للمعبد

وفاة حيرام أبي… وفاة المهندس المعماريّ حيرام ملكي…; تمتمت يمنى لنفسها.

تأتي القصّة أيضاً على ذكر أسطورة ملكة سبأ والملك سليمان، من دون التّوقّف عند أهميتها. على ما يبدو، إنّ الثنائي الملكي أنجب طفلاً أعطاه سليمان تابوت العهد ليحميه!

ذاكرة بول لم تخنه أبداً. إذ يبدو أنّها استعادت أجزاء إضافيّة من القصة أكثر إذهالاً.

على الأرجح كانت سبأ منطقة في اليمن. أتت بلقيس، ملكتها، لتزور ملك أورشليم في الوقت الذي أوشك أن يتمّ فيها بناء الهيكل بالكامل. وقع سليمان في حبّها، وظّن أنّها ستبادله هذا الحبّ، لأنّه كان ملكاً لأمّة عظيمة. سيكون هذا تطابقاً مثالياً بين الأسر الملكيّة، حلل سليمان بحكمته الأسطوريّة.

لم يكن سليمان الحكيم مفتوناً بجمالها العربيّ اليمنيّ فحسب، بل أيضاً بملكيّتها الغنيّة التي بشّرت بزيادة في سلطته، وإضفاء الغنى على مملكته. سيكون هذا تحالفاً مثاليّاً بين مملكتين، إستنتج. من جهّتها‘ كانت بلقيس مفتونة بالعظمة التي انبعثت من الهيكل، وقد أغرمت به. فطلبت أن تلتقي الرجل الذي صمّمه وبناه، متمنية أن يكون له مثيل في اليمن. كان لحيرام أبي، الرّجل الغامض، الذي يذكره العهد القدبم، شرف لقاء لملكة في قصر الملك. وفي اللحظة التي وقع نظرها عليه، هزّ كيانها إندفاع غريب من الطّاقة، لم تستطع منع نفسها من الوقوع في حبه. لم تكن مهتمة أبداً بسليمان، ولا بمملكته، ولا حتى بحكمته المزعومة. كلّ ما كانت تحلم به وتبحث عنه في الرّجل هو الحكمة والقوّة، وقد وجدتهما أخيراً في شخص حيرام. كان واقفاً أمامها بأناقة، ممسكاً بيده التاو، العصا التي تحمل شارة الصليب الفنيقيّ.

أدرك سليمان أنّ مخطّطه لتوسيع وإثراء مملكته بالذّهب والمجوهرات، عبر تحالفه مع ملكة سبأ، قد لا يبصر النّور. كان مصدوماً بذلك! لا بدّ من وجود شيء يستطيع فعله ليغيّر ذلك، فكّر مليّاً في نفسه في سكون الليل. مع مرور الأيّام، تخيّل سليمان الحكيم كلّ حيلة ممكنة، لتبديل مشاعر وتفكير بلقيس. إلاّ أنّ الملكة كانت قد أسلمت عقلبها وقلبها أمام هالة المهندس المعماريّ المعلّم الممتلئة بالحيويّة. كانا يجتمعان كلّ يوم تقريباً في أرجاء القصر، وداخل الهيكل. إستشاط سليمان غضباً لرؤية حلمه يندثر، ورفض تقبّل تلك الإهانة والخيبة. ففي النهاية إنّه الملك، الملك العظيم على أمّة عظيمة! لمعت عيناه المهيبتان بغضب يوحي بالخطر.

تفادياً للغضب الملكي، بدأت بلقيس وحيرام لقاءات سرّيّة لأنّ كليهما علم بأنّ الملك كان ببساطة مصمّماً على القضاء على الرابط الذي نشأ بينهما. وفي الواقع، بدأ الملك يمارس الضغوطات على المهندس المعماريّ، ويقلل من احترام الملكة. أيقن الإثنان، بلقيس وحيرام أنّ علاقتهم السرّيّة لا يمكن أن تستمر، طالما هما في أورشليم. فقرّرا مغادرة المدينة، ووضعا مخطّطاً لذلك. وبلقيس لم تعد تنظر الى الملك بتقدير عال، طلبت من حاشيتها التّحضير للمغادرة السرّيّة. بعد أن شيّد واحداً من أجمل المعابد لتأويه الإله وتابوت العهد، من أجل الملك، انتهى الأمر بحيرام باحتقار سليمان.

في الليل، قام المهندس المعماريّ بزيارته الأخيرة للمعبد، عبر البوابة الغربيّة، ليتأمل أحد أسمى إبتكاراته للمرّة الأخيرة. بعد لحظات، ولدى خروجه من البوابة الجنوبية، تم الاعتداء على حيرام، المعروف أيضاً بأدونيرام، على يد رجل كان قد طلب منه مسبقاً إعطاءه أسرار المعلّميّة. بعد تمكنه من الهرب بذكاء، تعرض حيرام لهجوم ثانٍ من قبل أخ ذلك الرجل، الذي كمن له عند البوابة الشماليّة. أخفق المعتدي الثاني، إذ أنّ حيرام تمكّن من الفرار أيضاً نحو البوابة الشرقيّة، حيث للأسف كان الموت في انتظاره. في الواقع، ألقى الأخ الثالث القبض عليه هناك، وقتله في ذلك المكان، داخل الهيكل الذي شيّده بكثيرٍمن الإيمان والحبّ. بموته أخذ حيرام أسراره ـ كلمة المعلّم السريّةـ معه الى القبر.. في تلك الليلة، انتظرت بلقيس ساعات طوالاً لتلتقيه فوق تلة صغيرة، تحت شجرة أرز، عند الجهة الشرقيّة للهيكل. تلك الأرزة الجميلة تحديداً، كان حيرام قد جلبها معه من صور، كتذكار من وطنه الحبيب لبنان، وزرعها على تلك التلة.

توقف بول يتأمل البحر مفكراً بضع لحظات، وبعدها عاد الجزء المتبقي من القصّة الى ذاكرته.

كونه مهندساً معماريّاً متمرساً، كان يرام يؤمن بأن كل مشروع هو كناية عن مغامرة جديدة تمكنه من إطلاق العنان لمهارته ومخيلته العمرانيّة. وكان قد تصوّر في عقله معباً مثاليّاً أكثر ضخامة من ذلك الموجود في أورشليم.

أين هو؟ تأخّر! بلقيس بانزعاج، وقد نفذ صبرها. جاء الليل ناشراً عليها ظلمة اليأس. أدركت أنّ حيرام لن يأتي في تلك الليلة، وقد لا يأتي… أبداً! حين صدمتها تلك الحقيقة المشؤومة، علمت، وبدون أدنى شك، أنّ سليمان يتحمّل مسؤولية كبيرة في ذلك. ذهبت مسرعةاليه لتسائله، غير انه نفي كل شيء. واقترح زاعماً أنّ حيرام ربما يكون قد عاد الى فينيقيا. رفضت بلقيس تصديقه. فإنها تعرف جيّداً الرجل الذي كانت مخطوبة اليه، والتي كانت تخطط للسفر معه الى اليمن لإتمام زفافهما، في هيكل كان من المفترض أن يبنيه حيرام في سبأ. بكى قلبها بصمت، أين هو حبيبي؟ لا يمكن أن يكون قد تركني هنا وحدي!

كانت الابتسامة المرتسمة على وجه سليمان المتجبّر تملؤها بالخوف. صحوة مقلقة تنذر بالخطر أشبعت عينيها بالدموع، وملأت قلبها بالكرب. إلاّ أنّ كبرياءها الملكيّ منعها من الانهيار أمام سليمن. التفتت على نفسها، وغادرت القصر باتّزان يليق بمكانتها. داخل خيمتها الملكيّة، بكت بلقيس من كلّ قلبها بصمت. مع تيقُّنها من موت حيرام، تبددت أحلامها وآمالها بألم شديد. لم ينجح الملك سليمان في الفوز بحبّها، وبمملكتها. في نفس الليلة، غادرت سبأ أورشليم الى اليمن، تاركة وراءها ملكاً محبطاً وقلبها المحطم.

يا لها من قصة! تكلمت يمنى فجأة، موقظة بول من ذكريات الماضي. منْ كان من الإخوة الثلاثة الذين قتلوا المهندس المعماريّ؟ سألت.

Karim Koussa: Website | Facebook
Books: Amazon. TV series: the961. Arabic: Antoine Library.
More on the subject: Elloubnanioun.
Image and Interview: APLH – Protect Lebanese Heritage.

Advertisements