رئيس لبنان الكبير يواجه السلطان العثماني الجديد

كتب المقال أدناه الدكتور كمال ديب، الباحث الاقتصادي وأحد أهم المراجع في السياسة الوطنية والثقافية والاجتماعية. النص كما ظهر على صفحة الدكتور ديب الفايسبوكية. والمقال موجود هنا بسبب أهميته الوطنية ولفهم الحراك التركي / العثماني الذي أدخل المشرق المطل على البحر الابيض المتوسط في دوامات سياسية لا نزال نعاني منها الى اليوم.

حاشية: الاتراك والعثمانيون وقبائل سهوب تركمانستان ومنغوليا وقبائل الايغوز وكل القبائل التي واكبت الحملات العسكرية، هم حركة عسكرية منذ ما قبل المماليك لاحتلال مناطق مزدهرة في غرب قارة آسيا.

وما قاله رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون عن الاحتلال التركي والحقبة العثمانية هو جزء من حقائق تاريخية موثقة جيداً في عشرات الكتب وخاصة من الأرشيف العثماني في أسطنبول. والذين يحبون تركيا اليوم ويفضلونها على وطنهم سواء كانوا لبنانيين أم سوريين عليهم معرفة تاريخ بلادهم بدل الانجرار الأعمى في المذهبية البغيضة والضلال التركي.

أولاً، علّقت تركيا المشانق للأحرار من أبناء سورية ولبنان وفلسطين في 21 آب 1915 وفي 6 أيار 1916
وهذه نخبة من أسماء الشهداء ويلاحظ العدد الكبير منهم هم مسلمون وبعضهم مشايخ في بيروت وطرابلس ودمشق وحلب وأهم شوارع هذه المدن على اسمائهم:
شهداء 21 لعشرين من آب 1915
عبد الكريم الخليل، بيروت – محمد المحمصاني بيروت
محمود المحمصاني، من بيروت – عبد القادر الخرسا، أصله من دمشق ومقيم في بيروت – سليم أحمد عبد الهادي، من قرية عرّابة بفلسطين – محمود نجا العجم، من بيروت – الشيخ محمد مسلّم عابدين، مأمور أوقاف اللاذقيّة من دمشق – نايف تللو، من دمشق – صالح حيدر، من أهالي بعلبك – علي الأرمنازي، من حماة
شهداء 6 أيار 1916
شفيق بك مؤيد العظم، من دمشق – الشيخ عبد الحميد الزهراوي، من حمص
الأمير عمر الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر الجزائري من دمشق
سليم الجزائري، من دمشق – شكري بك العسلي، من دمشق
عبد الوهاب الإنكليزي، من دمشق – رفيق رزق سلّوم، من حمص
رشدي الشمعة، من دمشق – شهداء 6 أيار 1916 في بيروت
بترو باولي، من التابعية اليونانيّة، مقيم في بيروت – جرجي الحداد، من جبل لبنان
سعيد فاضل عقل، من الدامور – عمر حمد، من بيروت
عبد الغني العريسي، من بيروت – الشيخ أحمد طبارة، إمام جامع النوفرة في بيروت – محمد الشنطي اليافي، من يافا
توفيق البساط، من صيدا – سيف الدين الخطيب، من دمشق – علي بن عمر النشاشيبي، من القدس – محمود جلال البخاري، من دمشق – سليم الجزائري، من دمشق – أمين لطفي الحافظ، من دمشق – نور الدين القاضي –
الخوري يوسف الحايك، من سن الفيل في بيروت، أُعدم في دمشق يوم 22 آذار سنة 1915.
نخلة باشا المطران، من أهالي بعلبك أغتيل قرب أُورفه بالأناضول في 17 تشرين الأول سنة 1915.
الشقيقان فيليب وفريد الخازن من جونية بلبنان أُعدما ببيروت يوم الثاني من أيار سنة 1916.
عبد الله الظاهر، من عكار، أُعدم ببيروت يوم الأول من آذار سنة 1916 – يوسف الهاني، من بيروت، أُعدم ببيروت في نيسان سنة 1916 – محمد الملحم، شيخ عشيرة الحسنة، أُعدم بدمشق في أوائل سنة 1917 – فجر المحمود، من عشيرة الموالي، أُعدم بدمشق أوائل سنة 1917 – شاهر بن رحيل العلي، ابن الشيخ رحيل بن العلي السليمان شيخ عشيرة التركي، أُعدم بدمشق على أثر إعلان الثورة العربية الكبرى- الشيخ أحمد عارف، مفتي غزة، وولده، من مدينة غزة أُعدما في القدس الشريف سنة 1917 – الشقيقان أنطوان وتوفيق زريق، من طرابلس، أُعدما بدمشق سنة 1916 – يوسف سعيد بيضون، من بيروت، أُعدم بعاليه بلبنان يوم العاشر من شهر آذار سنة 1916.

الحملة المغرضة ضد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لأنّه سرد وقائع تاريخية عن الجرائم والعدوان الذي مارسته السلطنة العثمانية ضد لبنان هي حملة يقوم بها الذين لا يزال ولاؤهم للأتراك ويحبون تركيا قبل أن يحبوا وطنهم لبنان. أمّا من هم غير لبنانيين فهم إما يقيمون في تركيا أو يدعمون تركيا في حربها ضد وطنهم سورية.
لقد مرّت مائة سنة على رحيل تركيا عن بلاد الشام وقيام الدول العربية ولقد ارتضى سكان سورية ولبنان على صيغة وطنية للحكم. ولكن منذ صعود حكومة إسلامية في تركيا هناك من فقد حسّه الوطني في لبنان وبات يجد في العهود التركية الغابرة على أنّها حكم لا غبار عليه رغم عنصريته ومذهبيته وتعصبه ضد الأٌقليات، وأنّ مساجد العرب بقيت تحلف باسم السلطان التركي لعدة سنوات بعد سقوط السلطنة. وأنّ شهداء لبنان وسورية هم عملاء وخونة لفرنسا. والتجني على شهداء سورية ولبنان لا يستند إلى أي حقائق ووثائق.

من الذين يتجنون على شهداء لبنان وتركيا ويدافعون عن تركيا نجد عدنان بخيت الاستاذ الجامعي في الأردن الذي استند إلى كتاب يوسف الحكيم عن الحكم التركي في لبنان وسورية وأنّ جمال باشا وجد وثائق تدين رجالات سورية ولبنان بأنّهم عملاء لفرنسا. ولكن عندما نعود إلى كتاب يوسف الحكيم الصادر عن دار النهار نجد أنّ عدنان بخيت قد اجتزأ المعلومة لتصب لصالح ما يدّعيه. فكتاب الحكيم يقول إنّه عند مجيء الجيش التركي بقيادة جمال باشا إلى دمشق وبيروت اعتقل عدداً كبيراً من القادة الوطنيين وأنّ أحدهم اعترف بوجود وثائق في قنصلية فرنسا في بيروت. وعثر العسكر التركي على بيان يطالب باستقلال لبنان وسورية عن الترك وقّعها 40 شخصاً من البلدين منهم يوسف الهاني وفيليب الخازن وفريد الخازن والشيخ أحمد طبارة ونخلة مطران باعتبار سورية بلد عربي لا يربطه بالدولة العثمانية سوى تغلب العنصر التركي على حكومته. ويقول يوسف الحكيم في كتابه (ص 233 و234) “بين ليلة وضحاها كان معظم الموقعين على تلك المضبطة في سجون عاليه ودمشق تحت التحقيق العسكري تخللها التعذيب وأحكام الشنق والإعدام والنفي التي لحقت المئات من أحرار سورية ولبنان وفلسطين”.

ويضيف كتاب يوسف الحكيم: “في فجر 20 آب 1915 روع لبنان وسورية برؤية نخبة صالحة من طلاب الإصلاح الإداري وعشاق الحرية واستقلال العرب ومن أرقى الشبان علماً وخلقاً معلقين على أعواد المشانق في ساحة الشهداء في بيروت وهم عبد الكريم الخليل والأخوان محمد ومحمود المحمصاني وصالح حيدر وعبد القادر خرسا وعلي أرمنازي ونور الدين القاضي ومسلم عابدين وسليم عبد الهادي ونايف تلو ومحمود العجم… لئن ألقى هذا الانتقام الفظيع الذعر والخوف في نفوس الأهلين في سورية ولبنان دون أن يستطيعوا إعلان سخطهم على السلطة العثمانية الغاشمة، إلا أنّه أفقد جمال السفاح كل ثقة وأضاع عليه ما كان يتمتع به في بادىء الأمر من شهرة حب العدل وحسن الإدارة. فحل محلهما وصفه بالغدر وسوء السريرة ولُقّب من ذلك التاريخ بالسفاح” (ص 235).

الدعاوى في أوساط الدول العربية لنصرة تركيا في السنوات الأخيرة ليست مستغربة وأن تصدر لها أبواق محلية في لبنان وسورية بات مكشوفاً. ذلك أنّ تركيا حليفة اسرائيل وعضوة حلف الناتو تسعى لتزعم العالم العربي تحت راية الدين وليس أي دين بل عقيدة إردوغان وحزبه الأخواني، ما يتضمّن الإشادة بالتاريخ العثماني وتبييض صفحته. هذه الدعاوى تضرب عرض الحائط ليس التاريخ فقط بل مشاعر العرب والأرمن والأكراد والأقليات الدينية التي عانت طويلاً من جور الترك وجرائمهم. نعم تركيا كانت امبراطورية ولكنها كانت عنصرية ونعم تركيا حكمت باسم الدين ولكن باسم مذهب محدّد وضد المذاهب الإسلامية الأخرى وضد الأقليات المسيحية التي اعتبرتها من أهل الذمة.

تركيا هذه احتلت البلدان العربية 400 سنة وكانت سبب التخلّف والحرمان وحاولت تتريك السكان وفرض لغتها المجهولة. وتركيا هذه تخلت عن الحرف العربي عام 1924 واعتمدت الحرف الللاتيني عام 1924 وتركيا هذه تناصب العداء للدول العربية اليوم وتريد إسقاطها واستعادة مجد غابر مزيّف. وصحيح أنّ العرب والترك والأرمن والإغريق وغيرهم قد تآخوا لفترات طويلة في ظل الدولة العثمانية ولكن هذا التآخي قد انتهى بوجود العنصرية الطورانية. وتركيا الحالية لا تزال تمارس العنصرية ضد الشعب الكردي في شرق البلاد وضد العرب في مناطق سورية التي احتلتها في الإسكندرون وكيليكيا ولا تزال تتنكّر لمجزرة الأرمن والسريان.

قد أشرنا إلى 100 جريمة ارتكبتها تركيا سوف نشرحها في هذه السلسلة ولقد استعرضنا 15 منها في الحلقتين السابقتين هذه ملخصها:
1، قتلت الدولة العثمانية مليون أرمني بين 1890 و1926 ولم تعترف بهذه الجريمة البشعة حتى اليوم.
2، قتلت الدولة العثمانية والجمهورية التركية من بعدها عشرات آلاف الأكراد وجرحت وهجّرت مئات آلاف الأكراد داخل أراضيها.
3، جرّ الجيش التركي 400 شخصية من كبار قادة لبنان وسورية عام 1915 وانتهى أمرهم على المشانق والإعدام والنفي إلى بر الأناضول والسجن المؤبد. ولذلك يتذكر لبنان وسورية هؤلاء الشهداء في عيد الشهداء كل عام في السادس من أيار.
4، اضطهد الترك الأقليات المسلمة التي ليست على مذهب السلطان مثل الدروز والعلويين والشيعة الجعفرية، فلجأوا إلى الجبال والمناطق النائية.
5، اضطهد الأتراك المسيحيين وجعلوهم أهل ذمة ونكلوا بهم في كل حين.
6، لا تزال تركيا تحتل لواء الإسكندرون السوري ومحافظة كيليكيا السورية رغم أنّ سكان المنطقتين هم سوريون.
7، قطعت تركيا مياه الفرات عن سورية والعراق وحرمت البلدين من الثروة المائية.
8، جعلت تركيا من محافظاتها الجنوبية قواعد لجلب الإرهابيين من 80 دولة وتجميعهم هناك وتدريبهم ثم إطلاقهم ضد سورية لقتل شعبها وتدمير مدنها.
9، احتلت الجيش التركي عام 1974 النصف الشمالي من جزيرة قبرص المجاورة للبنان وسورية والصديقة للبلدين.
10، تركيا هي الحليف الأول والرئيس لإسرائيل عسكرياً واقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً، فيما تطلق تصريحات إعلامية بين حين وآخر تدعي أنّها تناصر فلسطين.
11، تثير تركيا اليوم نعرات ودعاوى دينية وطائفية في لبنان وسورية والدول العربية بغية شق هذه المجتمعات وإعادة أمجاد السلطنة الغابرة.
12، احتل الأتراك سورية ولبنان لمدة 400 سنة مارسوا أثناءها التنكيل والظلم والقتل والنهب والغزوات حتى كادوا يقضون على حضارة وسكان البلدين.
13، قام الأتراك بحملة تتريك واسعة لفرض لغتهم المجهولة ودفن اللغة العربية. وحتى بعد مائة عام من حصول الأتراك على مطابع تستعمل الحرف العربي، منعوها عن لبنان وسورية حتى دخلت مطابع الأحرف العربية عبر رجال الدين المسيحيين في حلب وجبل لبنان في القرن السابع عشر.
14، قتل الأتراك 100 ألف سرياني آشوري في جنوب تركيا وشمال العراق وسورية وطردوا من بقي حياً.
15، تحتل تركيا مناطق شاسعة من شمال سورية وشمال العراق وتقف جنباً إلى جنب مع الإحتلال الأميركي لأنّها عضوة فعالة في الحلف الأطلسي.

أطلق رئيس الجمهورية اللبنانية احتفالات إعلان دولة لبنان الكبير مذكراً بجرائم السلطنة العثمانية بحق اللبنانيين. لقد هاجمت وزارة الخارجية التركية رئيس الجمهورية اللبنانية ووصفت ما قاله بالهذيان والمعتوه، وهب بعض اللبنانيين متحمسين لنصرة إردوغان وتركيا متناسين واجبهم نصرة رئيس وطنهم والتعرّف إلى تاريخهم قبل إعلان الولاء لدولة أجنبية لا تزال إلى اليوم من ألد أعداء لبنان والعرب. هذه السلسلة هي لتنشيط ذاكرة الجيل الجديد من اللبنانيين والسوريين حول جرائم السلطنة العثمانية ووريثتها تركيا المعاصرة.

في معرض الردود على كلمة الرئيس ميشال عون نكر البعض ومنهم اساتذة في الجامعة اللبنانية على ما يقولون، أنّ المجاعة قد حصلت فعلاً مذكيرن أنّ السلطان عبد الحميد قد أرسل إعاشة إلى لبنان عام 1871. والحقيقة أنّ المجاعة حصلت أثناء الحرب العالمية الأولى بدءاً من العام 1916 وقضت على ربع سكان لبنان وكان 400 ألف نسمة آنذاك. كما رفض كثيرون ما قاله الرئيس عون حول الإحتلال التركي وأنّ تركيا كانت الدولة الشرعية وأنّه لم تكن ثمّة مقاومة عربية جدية للحكم التركي العثماني طيلة 400 سنة (1516 إلى 1918). أمّا الثورات التي قامت ضد آل عثمان فهي بنظر هؤلاء عصيان محلي لمطالب جزئية تتعلق بالضرائب وقد جرى تأديبهم. ثم يندفع استاذ جامعي على تلفزيون الجديد أنّه لم تقع معركة أو حرب بين العرب والأتراك وأنّ الأتراك لم يأتوا احتلالاً وأنّ فقط المماليك حاولوا مقاومتهم وليس العرب. حتى أنّ عضواً في البرلمان اللبناني أنكر أمس على تلفزيون الجديد وجود لبنان وأنّ لبنان لا وجود له قبل 1920.


هؤلاء يلعبون بالتاريخ ويزيفون الحقائق ويظنون أنّ الناس لا تقرأ ولا تعرف. ولتصحيح الأمور كل العرب هبوا عام 1516 في مرج دابق في جوار حلب لوقف الزحف التركي هناك يتقدمهم الجيش المصري بقيادة قانصو الغوري وجيوش محلية من دمشق وحلب وجبل لبنان وغيرها. وأنّ خيانة وقعت أنّ والي حلب حصل على مغريات من السلطان سليم فلم يشارك مشاركة فعالة في المعركة. وأنّ مصر قاومت حتى نهاية 1517 ولم تستسلم بسهولة للترك. وثانياً لبنان هو جزء من بلاد الشام وهو موجود منذ ستة آلاف سنة وكان موجوداً قبل 1920 ومن قبل ألفي عام ولا يمكن إنكار وجوده لأنّ الانكار يلبي دعاوى دينية تصفّق لعودة السلطنة.

نعم الدعاوى الدينية هي التي خربت هذه البلاد وهي ترتدي أحياناً طابع الفتاوى الدينية والنصوص الدينية وأحياناً أخرى طابع البحث الأكاديمي ولكنها تسعى وتساهم في الصراع المذهبي والعنصري بين أبناء الشعب الواحد. لبنان الكبير سيبقى حصرمة في حناجرهم لسنوات بعد 2020 ودعاويهم سينساها الناس.

لنسلم جدلاً أنّ مقاومة المنطقة العربية للحكم العثماني لم تكن شاملة ومستمرة. وأنّ الكثيرين من العرب والأرمن والآشوريين والأكراد بعد أجيال وأجيال قد ارتضوا بسلطة الأتراك وأضفوا على هذه السلطة طابع الشرعية عليها. ولكن هذا كان حال كافة الامبراطوريات التي حلّـت في الشرق مثل الإمبراطجورية الرومانية والامبراطورية الإغريقية والامبراطورية الفارسية وحتى اليوم لا تزال الكنائس تقدّس كيرياليسون ومعناها عاش الملك قورش الفارسي دون أن يفقهوا معناها. إذ هكذا كانت الشعوب في الماضي من شدة القمع والظلم. والأتراك ليسوا استثناء عن ممارسة الظلم والقمع. ونعلم أنّ عدداً من مفكري العرب وزعماءهم قد عملوا ضمن السلطنة ومنحوها الولاء.
ولكن ما ليس صحيحاً هو التنكر للثورات العربية للحكم العثماني منذ بدايته عام 1516.

لقد استنجد بعض الذين هاجموا الرئيس ميشال عون بكتاب كمال الصليبي “بيت من عدة منازل إعادة اعتبار تاريخ لبنان” الصادر عن دار نوفل في بيروت أنّ لبنان لا أساس له. ولكن هذا الاستنجاد لم يكن موفقاً إذ أنّ كتاب الصليبي يخالف تماماً طروحات هؤلاء. ولا نعلم لماذا لجأوا إليه إلا إذا ظنوا أنّهم يحتكرون معرفة المراجع وأنّهم قادرون على تسمية المراجع جزافاً متكلين على جهل الجمهور المتلقي. ففي الكتاب المذكور أكّد كمال الصليبي أنّ أهل جبل لبنان لم يستسلموا للحكم التركي بعد هزيمة الجيش المصري في معركة مرج دابق قرب حلب. ويؤكد الصليبي أنّ مقاومة جبل لبنان بدأت خافتة ولكنها انطلقت بزخم عام 1523 واستمرت حتى عام 1585 ما اجبر الأتراك على إرسال حملات عسكرية عديدة لقمع الجبل. وفي عام 1585 وصلت قوة عسكرية كبرى وقتلت أمير الشوف الأمير قرقماز ابن فخرالدين المعني الأول ومئات آخرين من أهل لبنان.

علقت صديقة الصفحة السيدة رنا زيدان على بوست سابق دعونا فيه إلى الابتعاد عن مقولة الأم الحنون. ولئن كان ما طرحته رنا يستحق الشرح، رأيت أن لا أكتفي بالجواب السريع تحت تعليقها.
لقد كتبت رنا زيدان ما يلي: “قام النظام السوري بالهجوم على العماد عون في بعبدا وقتل العديد من عناصر الجيش اللبناني حتى اضطر العماد عون للجوء الى فرنسا ١٥ سنة ، وعندما عاد عقد حلف مع النظام السوري وقال : سوريا الآن أصبحت خارج لبنان فلا مشكلة لدينا معها !يا حضرة الرئيس الدولة العثمانية أصبحت من التاريخ وأصبح إسمها تركيا ويحكمها نظام علماني ، مشكلتك يا حضرة الرئيس هي الطائفية وتحالف الأقليات في وجه الأكثرية !”

أشكر السيدة رنا زيدان على المشاركة والتعليق. أولاً إذا كان التعليق هو موقف سياسي من ميشال عون وتياره السياسي فهو لا يستقيم في الموضوع الذي نتحدث عنه، أي تعرّض حكومة دولة أجنبية لمقام رئيس الجمهورية اللبنانية وميشال عون هو رئيس الجمهورية ورمز وحدة البلاد ومن المفترض أن تذبل المواقف السياسية الداخلية أمام أي أذى خارجي: وقوف جميع اللبنانيين بأحزابهم إلى جانب رئيس الحكومة سعد الحريري عندما تعرّض للاعتقال في الرياض قبل عامين بصرف النظر من موقفهم من تيار المستقبل. ووقوف جميع اللبنانيين ضد العدوان الاسرائيلي الأخير على لبنان بصرف النظر عن موقفهم من حزب الله. في هذا السياق هو الموقف من الكلام التركي المهين ضد شخص رئيس الجمهورية.

أمّأ إذا كان تعليق السيدة رنا هو للدفاع عن تركيا، فهذا حديث آخر.
أولاً نعم قال الرئيس عون أنّ سورية أصبحت خارج لبنان فلا مشكلة لدينا معها.. لا بل هو أضاف: وسوف نقيم معها أفضل العلاقات. ولكن هذا لم يمنع الرئيس عون وتياره من أن يتحدثّوا مراراً عن أخطاء سورية في لبنان سواء أثناء الحرب أو في فترة التسعينيات وعن مرحلة الوصاية السورية على لبنان وما شاب الوجود السوري بأسره من أخطاء وارتكابات أشار إليها الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه في 5 آذار 2005. وسائل إعلام التيار العوني تتكلم يومياً عن تلك الفترة دون أن يمنع ذلك سعي عون كرئيس للجمهورية إلى أفضل العلاقات.

أما في الحالة التركية، فرغم أنّ لبنان يقيم معها أفضل العلاقات فتركيا شتمت رئيس الجمهورية في بيانها أنّه معتوه وهذيان فقط لأنّه أشار إلى المرحلة العثمانية ومآسي لبنان وما أدى ذلك إلى قيام دولة لبنان الكبير. وهنا المشلكة أنّ تركيا اليوم تريد وراثة السلطنة العثمانية بكل جرائمها وخطاياها وتمنع أي كان من التطرق إلى الماضي. والمؤسف أنّ لها طابور خامس يدافع عنها دخل لبنان وفي سورية. تركيا تتنكر للمجاعة في لبنان وتتنكر للمجزرة التي ارتكبها جيشها بحق الشعب الأرمني حيث قتلوا مليون أرمني وشردوا مئات الألوف منهم. وهي تنفي تلك الواقعة التاريخية كما تنفي وتنكر أي وقائع أخرى، لأنّها تريد تاريخ العثمانيين ناصعاً جميلاً.

أقول هذا دون أن أنفي حسنات العهد التركي سواءً في العمران أو في الاستقرار المديد. وأعتبر تركيا جارة كبرى من مصلحة لبنان إقامة أفضل العلاقات معها ومستقبل لبنان وسورية هو طبعاً مع علاقة ممتازة مع تركيا طريق لبنان إلى أوروبا. ولكن تركيا لا تزال تمارس العداء ضد لبنان وسورية: فهي حليفة أبدية لاسرائيل التي غزت لبنان مراراً وقتلت 25 ألف لبناني وجرحت 50 ألفاً وشرّدت مئات الألوف من اللبنانيين. وتركيا حليفة اسرائيل التي شرّدت الشعب الفلسطيني وطردته من أرضه وأقامت دولة استيطانية ظالمة مكانه. وحكومة إردوغان تصدر بيانات عن فلسطين ولكنها لا تفعل شيئاً أمام ضم القدس وتهويدها ولا تأخذ موقفاً من اسرائيل . وتركيا احتلت في الماضي لواء الاسكندرون السوري ومحافظة كيليكيا السورية ولا تزال.. وهي اجتاحت شمال سورية منذ العام 2012 واحتلت مدينة حلب ونهبتها ثم دخل جيشها شمال العراق. وتركيا تمنع مياه نهر الفرات عن سورية والعراق…

وهكذا كما ترين سيدة رنا أنّ لبنان يريد أفضل العلاقات مع تركيا ولكن هي تريد أن تفرض نفسها امبراطورية وسلطنة جديدة على المنطقة وباسم الدين أيضاً. والحديث عن حلف الأقليات تافه لا يستحق الرد وهو يعود إلى مرحلة اندلاع الحرب في سورية عام 2011 وقصدوا به أن الأكثرية هي سنية والأقلية هي علوية ويجب تبديل السلطة في دمشق. ولا أنصحك سيدة رنا بصفتك خريجة جامعية أن تستعملي هذا المنطق. المطلوب دوماً وأبداً سواء في إيران أو تركيا أو في الدول العربية هو دولة الرعاية المدنية البعيدة عن التطييف والدين.

أبسط الأمور أن تعتذر الحكومة التركية عن شتم رئيس لبنان وتسحب بيانها المذموم. ولكن البشع في الأمر أنّ جوقة من اللئام في لبنان قد انضمت إلى الدعاوى التركية ضد رئيس بلدهم والأولى بهم أن يدافعوا عن لبنان ورئيسه ويطلبوا من تركيا الاعتذار.

الصورة: غلاف لمجلة AKBABA الذائعة الصيت في تركيا عام 1957
تركيا تقول: حلب لنا. الغلاف الذي يستحق التوقف مطولاً عنده يصور رجلاً ضئيل الحجم قبيح الهيئة (يمثل سورية) يبدو عليه الغضب، يتوجه بحديثه لصبية جميلة هادئة الملامح (تمثل مدينة حلب) وهي تقوم بحياكة علم تركي، حيث يدور بينهما هذا الحوار:

  • سورية : ماذا تفعلين ؟ أنا أسألك ماذا تفعلين ؟
  • حلب : أنا أحضر جهاز عرسي !

More readings:
السعودية تغير مناهجها
خطاب الرئيس اللبناني بافتتاح المئوية الاولى لاعلان لبنان الكبير
– Important لماذا الاصرار التركي على انكار ابادة الارمن

Advertisements

Write what you think

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.