منطق لبنان الكبير: «لا» لانضمام جبل لبنان إلى سوريا «لا» لانضمام الليطاني وحرمون إلى فلسطين

المصدر: مرايا التراث، العدد الحادي عشر، خريف 2019 – شتاء 2020.
كتابة: هيام جورج ملاط
الصورة: جريدة اللواء

في ۱۱ تشرين الثاني ۱۹۱۸ وقع الألمان هدنة أمام المارشال فوش فانتهت الحرب على الجبهة الغربية، بعد هدنة مودروس (۳۱ تشرين الأول ۱۹۱۸) وانهيار الأمبراطوريتين الألمانية والنمساوية إثر سقوط الأمبراطورية القيصرية الروسية سنة ۱۹۱۷ على أن تلغى السلطنة العثمانية سنة ۱۹۲۳. لكن غبطة هذا الانتصار على الجبهات الغربية والشرقية في الحرب العالمية الأولى أخفت نتائج سياسية خطيرة جدا لهذا الانهيار. وراحت نتائج مؤتمر الصلح في فرساي، وبعده مؤتمر سان ريمو (۲۰ نيسان۱۹۲۰) تعكس السعي لحلها مع نجاحات كانت موضوع تساؤلات. انسحاب العثمانيين من شرق أدنى حكموه منذ ١٥١٦) شکل هزة سياسية وصدمة تاريخية حاسمة. فالسلطان والباب العالي كانا لأربعة قرون محور نشاط مباشر للأجيال السياسية في الشرق الأدنى. ومع تدفق جيوش الحلفاء تدريجيًا من مصر مجتاحة الولايات العثمانية في الشرق الأدنى ومتصرفية جبل لبنان، انفتحت للبنانيين صفحة جديدة لم يكونوا يتوقعونها إذ تبين أن الحلفاء المنتصرين في الحرب اتفقوا على تقسيم الأمبراطورية العثمانية.

الدول الكبري قسمتنا على الورق خطوط زرقاء وحمراء

في آذار ۱۹۱۹ انعقدت سرا في القاهرة اجتماعات نجم عنها اتفاق وضع نصوصه قنصل فرنسا السابق في بيروت فرانسوا جورج بيكو وممثل بريطانيا مارك سايكس وممثل روسيا سازونوف وتم توقيعه في سان بطرسبورغ (١١ أيار ۱۹۱۹) محددا مناطق النفوذ في الشرق الأدنى. لكن الثورة الروسية نقضت الاتفاق فانعقدت مجددا مفاوضات طويلة معقدة بين فرنسا وإنكلترا وحددتا مناطق نفوذها على الخرائط كما يلي: بالأزرق للفرنسيين بالأحمر للإنجليز. منطقة النفوذ الفرنسي غطت بالأزرق متصرفية جبل لبنان وجزءا من ولاية بيروت القديمة وولاية سوريا وجبل الدروز وكيليكيا والموصل (مجموعها نحو ۲۰۰,۰۰۰ كلم مربع بما فيها بيروت وحلب وأنطاكية والإسكندرونة ودمشق) ومنطقة النفوذ الإنكليزي غطت بالأحمر القسم الأكبر من العراق وفلسطين. أما مصر وبعض إمارات الخليج والحجاز فكانت أصلا تحت النفوذ الإنكليزي. قبل معالجة الأسس القانونية التي أدت إلى إنشاء دولة لبنان الكبير، نتوقف عند مسألة ترسيم الحدود بين منطقة النفوذ الفرنسي (لبنان وسوريا) ومنطقة النفوذ الإنكليزي (فلسطين)، هذه التي خطورتها لا تزال تتردد حتى اليوم في الصراع الإسرائيلي العربي.

كيف تم ترسيم الحدود بين الأزرق والأحمر، وتاليا كيف تم إعلان دولة لبنان الكبير؟

الإشكال الأول: ترسيم الحدود

لم تعرف أي منطقة أخرى في الشرق الأدنى ترسيما رسميا دوليا لحدودها إلا حدود متصرفية جبل لبنان سنة ۱۸۹۱ (للمناطق الخاضعة مباشرة لسلطة الولاة العثمانين) باعتراف السلطنة العثمانية رسميا ودوليا مع القوى العظمي عصرئذ (فرنسا، بريطانيا العظمي، روسيا، النمسا، هنغاريا، بروسيا وإيطالي). من هنا، عند إنشاء دولتيّ لبنان وسوريا، جدلية الترسيم لحدود بلدان الانتداب الفرنسي، وبلدان الانتداب البريطاني (فلسطين جنوبي لبنان) خصوصا حيال إصرار البعثة الصهيونية إلى مؤتمر الصلح في فرساي على وجوب أن يشمل ترسيم الأراضي الفلسطينية منابع المياه المتدفقة من سفح جبال لبنان. فالحياة الاقتصادية في فلسطين مرتبطة بينابيع المياه في الشمال، وحيوي أن تُضبط المياه من منابعها. وركزت مجلة فلسطين (لسان حال الصهيونيين البريطانيين) في ١٦ كانون الأول ۱۹۱۹ على أن تشمل الأراضي الفلسطينية مناطق شمالية توفر المياه لفلسطين، وتشمل ضفتي نهر الليطاني ومنابع الأردن وثلوج حرمون.

في ۲۳ كانون الأول ۱۹۲۰ أقرت اتفاقية ترسيم الحدود بين أراضي الانتداب الفرنسي وأراضي الانتداب البريطاني. وجاء في مقدمتها أنها لضبط المشكلات الناشئة عن منح بريطانيا العظمى الانتداب على فلسطين وبلاد ما بين النهرين (العراق)، ومنح فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان وفق المجلس الأعلى في سان ريمو. ونصت المادة الأولى على ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان، وبين بلاد ما بين النهرين العراق وفلسطين، والمادة الثانية على تشكيل لجنة لتثبيت الخط الحدودي بين الأراضي الخاضعة للانتداب الفرنسي وتلك الخاضعة للانتداب البريطاني. تتشكل اللجنة من أربعة أعضاء: اثنان تعينهما فرنسا وبريطانيا، والآخران تسميهما – بموافقة القوى المنتدبة – الحكومات المحلية المستفيدة من الأراضي التي تحت سيطرة الانتداب الفرنسي أو البريطاني. وفي تلك المادة أن أي صراعات تنتج عن عمليات هذه اللجنة تحال إلى مجلس عصبة الأمم، وتتمتع قراراتها بالصفة النهائية . بعد هذه الاتفاقية جرى اتفاق بوليه – نيوكومب (۲ شباط ١٩٢٢) بترسیم تقني لحدود الأراضي تحت الانتدابين الفرنسي والبريطاني، من البحر المتوسط حتى محطة إلحامه في سوريا. وسجل هذا الاتفاق بروتوكولا في عصبة الأمم في ٦ شباط ١٩٢٤.

مطامع الصهاينة في مياه لبنان منذ ۱۹۱۹

ولكن، منذ ۱۹۲۰، سجل قانونيون إشكالية حساسة طرحها وضع الحدود بين لبنان وفلسطين، كما ورد في دفاع شارل بیرکهارد (Charles Burchard) عن أطروحته (جامعة مونبلييه ۱۹۲۰) حول الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان:

La frontière syro-palestinienne de 1916 était finalement modifiée à notre détriment. Elle fut d’abord remplacée en 1918 par une limite de la zone sud plus au nord. Les Sionistes trouvaient que ce tracé amputait la Palestine historique de ses territoires septentrionaux, et rendait impossible l’existence du nouvel État. Ils demandaient le contrôle des vallées du Haut Jourdain, du Litani et des eaux du Yarmouk, en vue de l’irrigation et de l’utilisation de la houille blanche. Leur projet de frontière en suivant la vallée du Litani laissée à la Palestine et remontant le Liban – aurait traversé la Békaa pour suivre l’Hermon et aboutir près de Deraa à la ligne Sykes-Picot de 1916. De telles prétentions amenèrent les protestations des Libanais. La Commission administrative du Liban en décembre 1920 proclama la vallée du Litani comme partie importante du Liban et nécessaire à son développement.

La convention du 23 décembre 1920 – délimitant les pays sous mandat français des pays sous mandat britannique – s’en est tenue à un tracé étudié à Londres en février/mars 1920. La frontière syro-palestinienne actuelle part du Ras el Nakoura même point que la ligne Sykes-Picot, qu’elle quitte pour laisser à l’état sioniste toute la vallée du Jourdain sur les deux rives du fleuve, du nord de la mer de Tibériade jusqu’à la latitude de Tyr: après avoir traversé cette mer du nord au sud elle rejoint au-delà du chemin de fer du Hedjaz, la frontière de 1920. Ainsi la convention de 1920, par rapport aux accords de 1916, agrandit la Palestine aux dépens de la Syrie. Le foyer juif dessine dans le mandat français une grande entaille profonde de 40 à 45 kilomètres dans la direction de Damas. Le libre emploi des eaux des fleuves est laissé à la France, sauf en ce qui concerne le Jourdain et le Yarmouk où la Palestine n’exercera des droits qu’après satisfaction des besoins des territoires du mandat français (article 8).

ما ترجمته: حدود 1916 السورية الفلسطينية تعدلت على حسابنا. استبدلت أولا سنة ۱۹۱۸ بحدود للمنطقة الجنوبية أوسع من حدود المنطقة الشمالية، ووجد الصهاينة أن هذا الخط المرسوم يقتطع من فلسطين التاريخية أراضيها الشمالية، ما يجعل مستحيلا قيام الدولة الجديدة. طالبوا بالإشراف على أودية الأردن العليا والليطاني ومياه اليرموك لإنشاء مشاريع ري واستخدام الفحم الأبيض. ومشروعهم هذا، لترسيم الحدود على خط وادي الليطاني متروگا لفلسطين صعودا إلى لبنان، يقطع البقاع تاليا جبال الحرمون بلوغا قرب درعا خط سايكس بيكو 1916. هذه الادعاءات أثارت احتجاج اللبنانيين فأعلنت اللجنة الإدارية في لبنان (كانون الأول ۱۹۲۰) أن وادي الليطاني جزء مهم من لبنان وضروري لتطوره. أما اتفاقية ۲۳ كانون الأول ۱۹۲۰ (ترسيم حدود البلدان الخاضعة للانتداب الفرنسي وتلك الخاضعة للانتداب البريطاني) فكانت خطا مرسما نوقش في لندن خلال شباط وآذار۱۹۲۰.
حاليا : باتت الحدود السورية الفلسطينية عند رأس الناقورة (كما في ترسيم سايكس بيكو) وتترك للدولة الصهيونية كامل وادي الأردن على ضفتي النهر من شمالي بحيرة طبرية حتى بطاح صور، وتقطع البحيرة من الشمال إلى الجنوب لتلتقي خط سكة حديد الحجاز كما في حدود ۱۹۲۰. من هنا أن اتفاقية ۱۹۲۰، حيال اتفاقيات ۱۹۱٦، توسع مساحة فلسطين على حساب مساحة سوريا. وتبقى لفرنسا حرية استخدام مياه الأنهر عدا الأردن واليرموك ولا حقوق فيها لفلسطين إلا بعد اكتفاء الحاجة إليها في أراضي الانتداب الفرنسي (المادة ).

جدلية المياه عند ترسيم حدود لبنان

سنة 1964 كتبث أ. م. غواشون A. Goichon في دراستها المياه مشكلة حيوية في منطقة الأردن:

Pendant la première guerre mondiale, en 1916, les Sionistes anglais poussaient la Grande Bretagne à demander tous les terrains en rapport avec le Jourdain, pour les inclure dans la Palestine sous mandat anglais. De plus, ils estimaient que sa frontière nord devait être marquée par le cours est-ouest du Litani, à partir du coude où il quitte son orientation nord-sud. Mais lorsque la conférence de San-Remo (25 avril 1920) eut placé le Liban sous le mandat français, les frontières furent à la demande du Liban, fixées selon le relevé des cartes d’état-major du corps d’occupation français en 1860. Ce tracé fut à l’origine de l’actuel

Grand-Liban. Le bassin du Litani y était inclus tout entier.

ما ترجمته: سنة ۱۹۱٦، إبان الحرب العالمية الأولى، دفع الصهاينة الإنكليز بريطانيا إلى طلب أن تنضم إلى فلسطين جميع الأراضي المتصلة بالأردن، برعاية الانتداب البريطاني. وأكثر: رأوا أن تترسم حدودها الشمالية بالمجرى الشرقي الغربي لنهر الليطاني منذ المنعطف الذي يغير فيه النهر اتجاهه الشمالي الجنوبي، ولكن، بعدما مؤتمر سان ريمو (۲۰ نيسان ۱۹۲۰) وضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي، وبناء على طلب لبنان، تثبت ترسيم الحدود وفق خارطة الأركان العليا لجيش الاحتلال الفرنسي سنة ۱۸۹۰. ووضع حوض الليطاني كاملا ضمن هذه الحدود التي أعلنت أساس لبنان الكبير. إلى هذا الحد كانت حيوية مسألة المياه وهي، عند ترسيم حدود لبنان وسائر بلدان الشرق الأدنى غداة معاهدة فرساي، أثارت جدلا سياسيا ودبلوماسيا لا يزال حادا حتى اليوم مع النمو الديمغرافي والحاجة إلى المياه للري والصناعة والخدمة المنزلية وعدم تجديد المخزون المائي في بلدان من المنطقة يهددها الجفاف والتصحر.

خارطة الطريق إلى لبنان الكبير

كان ضروريا إنجاز تحديد النظام القانوني للبلدان التي تحت النفوذ الفرنسي. وبعد مماطلات نجح مبدأ انتداب تخيله وزیر دفاع أفريقيا الجنوبية الجنرال سموث General Smuts في تحقيق إجماع الدول، بحل تبناه مجلس العشرة (٣٠ كانون الثاني ۱۹۱۹) وبات المادة ۲۲ من ميثاق عصبة الأمم (۲۸ نيسان ١۹۱۹)، وفيها:

…Certaines communautés qui appartenaient autrefois à l’Empire Ottoman, ont atteint un degré de développement tel que leur existence comme nations indépendantes peut être reconnue provisoirement, à la condition que les conseils et l’aide d’un mandataire guident leur administration jusqu’au moment où elles seront capables de se conduire seule. Les veux de ces communautés doivent être pris d’abord en considération pour le choix du mandataire…

ما ترجمته: بعض المناطق التي كانت تنتمي إلى السلطنة العثمانية، بلغت من التطور أن يمكن الاعتراف مؤقتا بوجودها أوطانا مستقلة، شرط أن تقود نصائحُ الانتداب ومساعدته إلى إدارتها حتى تصبح قادرة على تسيير أمورها بذاتها. وتمنيات هذه المناطق يجب أن تبني أولا على اعتبارات تحددها السلطة المنتدبة ….

بداية الوفود: فرساي مع البطريرك الحويك

كان الميراث السياسي والدستوري حاضرا على جميع المستويات. وكانت مكتسبات اللبنانيين منذ عهد المتصرفية تدعو إلى دعم حكم ذاتي كرسه القانون الأساسي (البروتوكول) سنة ۱۸٦۱، وارتبط يومئذ بمقررات مؤتمر بيروت الدولي، ظهرت مؤلفات ومقالات ومداخلات حول الموضوع، وقامت بعثات ترأس إحداها البطريرك الماروني الياس الحويك، وحضر إلى فرساي للمطالبة بقيام دولة لبنان في حدودها الطبيعية التي تعتبر قابلة للحياة. وفي رسالة البطريرك باسم البعثة اللبنانية إلى مؤتمر الصلح، تحت عنوان مطالب اللبنانيين، مطالبته بالأمور التالية:
١. الاعتراف باستقلال لبنان كما نادت به حكومة لبنان وشعبه في حدوده التاريخية والطبيعية في ۲۰ أيار ۱۹۱۹.

۲. إعادة لبنان إلى حدوده التاريخية والطبيعية . تكريس مبدأ الانتداب كما نصت عليه معاهدة الصلح (فرساي ۲۸ حزيران ۱۹۱۹). ولبنان، من دون التنازل عن حقه بالسيادة، ووفق المادة ۲۲ من ميثاق عصبة الأمم، من الحكومة الفرنسية تكليفا بهذا الانتداب لمساعدته ونصائحه.

مجلس إدارة لبنان: إعادة الأراضي التي سلختها عنه السلطنة العثمانية

في قرار مجلس إدارة لبنان (۲۰ أيار ۱۹۲۰) المناداة باستقلال لبنان وإرجاعه إلى حدوده الطبيعية والتاريخية، ورد:
لما كان جبل لبنان مستقلا منذ القديم بحدوده التاريخية والجغرافية والقطع التي فصلت عنه سلخت عنوة واغتصابا من الدولة التركية،

ولما كانت الدولة الغاصبة تقلص ظلمها واضمحلت سيطرتها على هذه البلاد،

ولما كان لا يتسع له العيش والرقي ما لم تعد إليه القطع المفصولة عنه،

ولما كانت دول الحلفاء أعلنت أنها تساعد على تحرير الشعوب المظلومة وإعادة الأراضي المغصوبة إلى بلادها الأصلية، وكانت تلك القطع المغتصبة من لبنان تعتبر قسما منه، ومعظم سكانها من اللبنانيين أصلا،

بناء على ذلك كله، وعلى طلبات وإلحاح اللبنانيين المتواصلة والمعلنة في عموم أنحاء الجبل،

اجتمع هذا المجلس بصفته ممثلا للشعب اللبناني، وأصدر القرار الآتي:

أولا: المناداة باستقلال لبنان السياسي والإداري بحدوده الجغرافية والتاريخية، واعتبار البلاد المغصوبة منه – ومعظم سكانها من اللبنانيين أصلا – بلادا لبنانية كما كانت قبل سلخها عنه.

ثانيا : جعل حكومة لبنان هذه، ديمقراطية مؤسسة على الحرية والإخاء والمساواة مع حفظ حقوق الأقلية وحرية الأديان.

ثالثا: تتفق حكومة لبنان، والحكومة الفرنسية المساعدة، على تقرير العلائق الاقتصادية بين لبنان والحكومات المجاورة.

رابعا: مباشرة درس وتنظيم القانون الأساسي بطريقته الأصولية.

خامسا: تقديم هذا القرار إلى مؤتمر الصلح العام.

سادسا: إعلان هذا القرار في الجريدة الرسمية وفي غيرها من الجرائد الوطنية، تطمينا لأفكار اللبنانيين وبيانا للمحافظة على حقوقهم.

صوت الشعب اللبناني: لن يفيد لبنان اندغامه السياسي بسوريا

إثر صدور هذا القرار جرت في بعبدا مظاهرة ألقيت فيها خطب بالفرنسية والعربية، منها خطاب شبلي ملاط وفيه مراجعة إشكالية لبنان السياسية، ومدخل ما على السياسة اللبنانية أن تنتهج من خطوات لبناء
دولة.

هنا نص هذا الخطاب الذي ينشر هنا للمرة الأولى:

مرحبا أيها الإخوان، وسلاما أيتها البقية التي غفلت عنها عين الاضطهاد، وقصرت عنها يد المظالم، فجاءت اليوم تطالب بحقها المغصوب، وتعيد صفحة من تاريخ لبنانها القديم أيام كان جدودها الأولون يضربون في الأرض ويذللون البحار على ذوات الشراع، لا يعرفون تعبا ولا مللا حتى أن اسم الفينيقي – حيث ذكر من المعمور شرقا وغربا – أصبح مثلا شرودا بالإقدام والكد في طلب المعاش والتجارة. ولقائل ما الفخر بالعظم الرميم، الجواب أن التاريخ يعيد نفسه: فكما الفينيقي بالأمس تفرد، امتاز اليوم سليله اللبناني. نعم: هو اللبناني الذي نحت صخور جبله فحولها حقولا مغروسة، وارتد على روابيه فحولها منخفضات محروثة من روعة. ولما سلبوه ما سلبوه من أراضية الزراعية وضيقوا عليه الخناق ولعبت به أيدي الاستبداد وتطرقت عليه الحضارة وانكشفت له وجوه البذخ ولاحت له بوارق العلم، نزعت به نفسه أنفة وكبرا إلى المهاجرة فخاض غمار البحار ونزل بعضه وادي النيل، وبعضه أوروبا، ومعظمه أرض العالم الجديد. وبرهن ابن لبنان، حيث نزل من البلاد، على النشاط والاجتهاد والصدق والذكاء، وكان منه المفكر والشاعر والصحافي والمحامي والموظف والتاجر والعامل والصانع، فأضاف بما اجتمع إليه من هذه الفضائل صفحة حديثة من المجد إلى صفحات أجداده القديمة المجيدة، وصدق فيه قول إن هذا الشبل من ذاك الأسد. وإلى مجده الأول يشير شوقي بقوله:

لبنان مجدك في المشارق أول والأرض رابية وأنت سنام

وفي أبنائه اليوم يقول حافظ:

رادوا المناهل في الدنيا ولو وجدوا إلى المجرة ركبا صاعدا ركبوا

هذا هو لبناننا من حيث الوجهة الاجتماعية. أما من حيث الوجهة السياسية فقد كان ولم يزل مستقلا منذ الخلفاء الراشدين إلى بني أمية إلى بني عباس إلى الدولة الفاطمية. وقد كانت الدول في تلك العهود تتحاشى التحرش بداخليته المأهولة وسكانه المردة، والموطقة بالجبال التي هي معاقله الطبيعية. إن لبنان المنفصل منذ البدء، إداريا وسياسيا، عن جارته الصديقة، لا يزال على انفصاله أشبه ببيتين متجاورين يحتفظ كل منهما باستقلاله الداخلي، مع مراعاة صلة الإخاء وحق الجوار، ليس إلا، ومن الطبيعي أن الاستقلال غاية كل شعب ناهض. فاذا كانت جارتنا الكريمة تتغانى وتبذل غوالي المهج في سبيله، فبالأولى أن يتغانی لبنان عليه ويجود بآخر نفسه دونه، وهو العريق في استقلاله. وكاني هنا أسمع تمتمة معناها: كيف يعيش لبنان اقتصاديا؟ سؤال جسمتموه وضخموه ومثلوه بهيئات مختلفة مرعية حتى توسع بعضهم وجعله كالقول تخويفا وتهويلا. مهلا بني أمي ولا تطيلوا. إن المسألة عند أحد أمرين: إما أن تكون حكومة سوريا المستقبلية المستقلة تطمح إلى العدل والرقي بكل معنى الكلمة، وهو ما نتمناه لها وعندئذ تجري الأمور على القاعدة الاقتصادية المتبعة بين الحكومات المستقلة المتاخمة من عقد الاتفاقات الاقتصادية، وإما ألا تطمح إلى الرقي والعدل وهو ما لا نريده لها، وحينئذ لن يفيد اندغام لبنان السياسي بها. وفي الماضي والتاريخ والسياسات والمواعيد الدولية تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر. كذا نقول وقد بلغ السفل وكثر المدعون والمتاجرون بهذا الوطن المسكين.

إن لبنان الحالي، لولا شبه السيطرة التي كانت لتركيا عليه – يعني لو كان لبنان مستقلا إداريا وسياسيا ووقعت الحرب العامة – لما تجرات تركيا ولا أقدمت على الانتقام منه بحجة تلك السيطرة، ولما كان لها سبيل إلى اتهامه بالخيانات ونصب المشانق لأبنائه وإبادة نحو ربع مليون منهم جوعا وضربا وتعذيبا وتغريبا. فيا إخوتي اللبنانيين: أنتم اليوم تطالبون بأغلى وأثمن وأشرف ما يتمناه الإنسان. بعدما قاسيتم من مكاره السنوات الأريع وأحوالها، تفضلون ولا شك الموت والفقر، تفضلون أكل الكسيرة ولبس العباءة وسكن الأكواخ، على أخف نیر تركبونه في رقابكم مهما يتبعه من المواعيد والقصور والذهب وجنات الخلود. أنتم اليوم تنادون باستقلالكم، وما أحلى هذا النغم وأطربه في المسامع. أما الشعب فأنتم، وأما الحكومة فهذه، وأما الشعار فالأرزة التي تتفيأون. هذه هي الأرزة التي أعطي لها مجد لبنان، وعبق أرجها في هيكل سليمان، واندغمت في ترابه الطيب القرون العديدة البعيدة من آرام وكنعان وفينيقيا، ومن قبل ومن بعد، وهي على طول الدهور خالدة صاعدة في فضاء اللانهاية، تحمل أنفاس الأجيال المتلاشية إلى الحي الذي لا يموت. هذه هي التي تفرش اليوم أغصانها الخضراء على الهيكل الذي تقيمون، وتذكركم بمجد الجدود وأنتم تذكرون. هذا هو المعلم الطبيعي الذي يعلمكم الثبات وأنتم تعلمون.

أيها الإخوان: كونوا على ثقة بأن الدول العظام المتحالفة التي أراقت دماء الملايين من شبيبتها الزاهرة وكابدت الأحوال في تذليل هضاب الظلم واستئصال الاستبداد والهمجية تدخلا إلى تحرير الشعوب الضعيفة، لن تهمل شعبًا كالشعب اللبناني يبلغ عدده المليون، وهو منذ قرون يذوق ألوان العذاب والتعاسة مظلوما مضطهدا مهضوم الحقوق. ولا يخطر على بال أحدكم أن هذه الدول التي فعلت ما فقلت، للغاية الشريفة التي ذكرناها، ترضى أن تتغاضى عن ضمان مستقبل هذا الشعب المشهود له بالاستعداد للترقي ومجازاة الشعوب الناشطة المتقدمة.

حضرة رئيس المجلس وهيئته الكريمة، إن الوطنية اللبنانية التي تملونها بأبهى مجاليها، والقرار الذي أعلنتم فيه استقلال لبنان يبرهن على أنكم لا تستغلون نفسا، ولا تستكبرون كبيرا في سبيل حرية لبنان التامة، هما اللذان تجاوب بهما الجبل من أقاصيه إلى أقاصيه، وقامت وقعدت حماسة لهما هذه الجموع المتألية اليوم في مجلسكم النيابي الوطني الجسور.

أيها الإخوان: إن السماء تساعدنا فلا تخافوا ولا تيأسوا . طأطئوا الآن الرؤوس احتراما، وانحنوا أمام الشعار الذي طالما انحنت أمامه الأجيال قبلكم، واهتفوا بصوت واحد وقلب واحد: فليعش لبنان الكبير المستقل.

لبنان الكبير: ثلاثة قرارات…

في هذا السياق من المرجعية السياسية والدبلوماسية، يجب النظر إلى قرار المفوض السامي الفرنسي في لبنان وسوريا، الجنرال غورو، حول إنشاء دولة لبنان الكبير. فهو يعكس تعقيدات الأوضاع الموروثة من الحقبة العثمانية، وضرورة وضع بنى سياسية ملائمة نسبة للمكونات الإنسانية والدينية في لبنان. وتحليل القرارات يكشف تعقيد الموقف والمسيرة المؤسساتية المعتمدة لتكوين دولة لبنان وخصوصياته السياسية والدستورية. أصدر المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو ثلاثة قرارات شكلت الأسس القانونية لقيام وتأسيس دولة لبنان الكبير، هي:

۱. القرار ٢٩٩ (۳ آب ۱۹۲۰) يلحق أقضية حاصبيا وراشيا والمعلقة وبعلبك إداريا بالأراضي اللبنانية.

۲. القرار ۳۱۸ (۳۱ آب ۱۹۲۰) يرسم حدود دولة لبنان الكبير. بدأ تنفيذه في 1 أيلول ۱۹۲۰وفق المادة 3 من القرار. وفي الأسباب الموجبة هذا القرار: جاءت فرنسا إلى سوريا لتساعد أهل سوريا ولبنان على تحقيق رغائبهم في نيل الحرية والاستقلال. لذا وجب إرجاع لبنان إلى حدوده الطبيعية كما عينها مندوبو الجبل ونادی بها الشعب بصوت واحد. وعلى لبنان الكبير، في حدوده الطبيعية، أن يكون، كحكومة مستقلة وبمساعدة فرنسا، قادرا على تنفيذ الخطة التي رسمها لنفسه وفقا لمصلحته السياسية والاقتصادية.
۳. القرار ۳۲۱ (۳۱ آب ۱۹۲۰) يعلن حل منطقة الحكم الذاتي في لبنان (أي المتصرفية). فبعد صدور القرار ۳۱۸ (في اليوم ذاته ۱۳ آب) بإنشاء دولة لبنان الكبير، ونتيجة تعديلات في أراض لحقت بالتقسيمات الإدارية الحالية، لم تعد قائمة منطقة لبنان ذات الحكم الذاتي.

… وثلاث مراحل

هكذا يكون لبنان الحديث، من أجل إقرار الحقوق والمكتسبات ومطالبات اللبنانيين خلال قرون، مر بثلاث مراحل قانونية:
١. ضم الأقضية الأربعة (حاصبيا، راشيا، المعلقة، بعلبك) إلى أراضي المتصرفية، إقرارا بمطالب اللبنانيين المستمرة لاستعادة هذه الأقضية في منطقتهم. وكان جوبلان في المسألة اللبنانية (۱۹۰۸) وكثيرون سواه مطالبين بذلك. وسبّب ضم هذه الأقضية اعتراضات سياسية كبيرة لن تحل إلا لاحقا بعد الثلاثينات.
۲. إنشاء لبنان الكبير جامعا منطقة المتصرفية والأقضية الأربعة وتسمية لبنان الكبير جاءت لأن أراضي لبنان توسعت حتی الضعفين، ولأن لبنان الكبير جاء تتمة لبنان المتصرفية. فقبل ذاك كان يدعى لبنان الصغير كما جاء في مؤتمر بيروت الدولي (۱۸۹١) أول مؤتمر من نوعه في العالم السياسي والدبلوماسي تناول وضع أراض ضمن حدود دولة أخرى (السلطنة العثمانية الواسعة) وكان لها نظام أساسي يعترف بمميزاتها وخصوصيات لها سياسية وبشرية ما زالت حتى اليوم: إنشاء مجلس إداری، ونظام قضائي على قاعدة التوزيع الطائفي، وإنشاء قوى الأمن الداخلي الوطني، والاستقلالية المالية.

۳. حل المتصرفية وإدماجها في لبنان الكبير. وكان قرار الحل اعترافا بالذات المؤسساتية لهذه المنطقة، وفق القانون الدولي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. هكذا، بموجب مؤتمر سان ريمو (۲٥ نيسان ۱۹۲۰) تكليف فرنسا الانتداب برّر، وفق القانون الدولي، إيجاد واقع مؤسساتي أرسى بشهادته خارطة الطريق لتأسيس دولة لبنان الكبير.

مجلة مرايا التراث – العدد الكامل
مركز التراث اللبناني – الجامعة الاميريكية
فايسبوك – مرايا التراث