لُبنْانُ في اللَهبِ – هلّ يحتَرِق؟

المحاضرة الثانية: الخطر الخارجي. الدكتور كمال الحاج، رئيس قسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية. 31 تموز 1969. نشر حركة الرعية – حمانا، لبنان.

حتم القومية

لا بد من الرجوع الى أهم النقاط المذكورة في المحاضرة الاولى والتشديد عليها. أن المعركة التي نخوضها اليوم هي معركة قومية . هي معركة القومية اللبنانية في وجه اللاقوميات اللبنانية: القومية العربية، والقومية السورية الاجتماعية والقومية الصهيونية. لقد هجمت علينا هذه العقائد اللالبنانية الثلاث باسم القومية. اذا دفاعا بنا عن لبنان يجب أن يكون ايضا باسم القومية. ان خلافنا مع هذه القوات الثلاث ليس على حدود خريطية فقط، ولا على استعادة اسرى حرب، مثلا، ولا على انشاء مصفاة للبترول هنا أو هناك، ولا على تمثيل دبلوماسي او استقراض مال.

أن مطلق يد غادرة تمتد للبنان يقطعها التاريخ من الكتف. تترمد قبل أن تصل إلى اتربة لبنان. لبنان وقف من التاريخ على جميع الامم. لبنان حقيقة رياضية الويل لمن يهتك قدسيته. فان التاريخ ذاته يبیده

كمال يوسف الحاج

كلا. أن خلافنا مع هذه القوميات الثلاث يتناولنا ويتناولها في اساس مصيرنا ومصيرها الكلي ذاته. أن تكون القومية اللبنانية او ان لا تكون تلك هي المعضلة من جهتنا ، وان تكون احدى القوميات اللالبنانية أو أن لا تكون تلك هي المعضلة . من جهتها . ومعلوم أن انه اذا كانت القومية اللبنانية ما كانت هي واذا كانت هي ما كانت القومية اللبنانية . وعليه فالمصير هو مطمح الرماية ، ولا شيء كالقومية يستطيع أن يعبر عن هذا المصير . المصير القومي هو الملقى على بساط البحث … مصير القومية اللبنانية في وجه المصير الذي للقوميات اللالبنانية فوق ارض لبنان وتحت سمائه اذا بقي لبنان صامدا ما رأت هي النور في عالم الوجود، واذا تحققت احدى تلك اللاقوميات اللبنانية طارت القومية اللبنانية من الوجود. بكلام آخر وأوضح : اذا كان العدو لا ينتصر علينا الا بفضل العقيدة القومية فمن رابع المستحيلات أن ننتصر عليه الا بفضل العقيدة القومية . هو لا يفشل قومية الا بمقدار ما ننتصر نحن قومياً . هكذا فرض الصراع في بيننا . تذكرون ماذا قلت في المحاضرة الأولى . قلت : هل ننازل بعصى عدوا لنا مدججا بسلاح ناري ؟ هل ننازل ببندقية صغيرة عدوا لنا هاجم علينا بطيران نفاث ؟ أن المجابهة تخسر قيمتها الحضارية الكبرى حين لا تتكافأ الجبهتان المتصارعتان ؟ المجابهة القومية هي التي فرضت علينا. الخصم السياسي فرضها . وهو ذو ثلاثة رؤوس . كلمة كيان لا تفي بالمقصود. كلمة وطن لا تفي بالمقصود. مطلق كلمة غير كلية القومية لا تستطيع أن تفي بالمقصود ، من حيث الاطار الخارجي نحن مسوقون جبرا إلى اصطدام قومي .

انا اعلم أن بعض اليسار اللبناني يرفض الاعتراف بالقومية اللبنانية . ولا عجب . أن عاطفته لسالبة حيالها . لكن القضية ليست قضية عاطفة تريد أو لا تريد. القومية اللبنانية هي حقيقة رياضية . وانا اعلم ان بعض اليمين اللبناني لا يجرؤ على الجهر بالقومية اللبنانية كي لا يجرح احاسيس بعض ذلك اليسار اللبناني الواجب استرضاؤه في معارك انتخابية معينة . هذا الموقف يدخل ايضا في باب التسويات العاطفية . لكن القضية ليست قضية عاطفة تساير أو لا تساير . القومية اللبنانية هي حقيقة رياضية .

هنا لا بد لي من الوقوف قليلا عند كلمة ولاء. انها مفتاح الغموض الذي يسيطر علينا بهذا الصدد . اذا عرفنا كيف نديره بمنطق واضح صریح زال الغموض و بانت الحقيقة .

هناك ولاءان : ولاء للنظام او الحكومة وولاء للدولة . الولاء للنظام او عدم الولاء له احساس فردي او حزبي يحمل مضمونا اجتماعيا . وهو الذي تعلنه بعض فئات اللبنانيين الذين يخيل لهم انهم مواطنون من الدرجة الثانية والثالثة . هذا الولاء يدخل في باب العاطفة وهو لا يتناول إلا فئة او فئات من اللبنانيين . اما الولاء للدولة فانه حقيقة رياضية تتناول كل اللبنانيين . هذا الولاء ، جميع اللبنانيين اعضاء فيه ، بالفعل والقانون . فلا يستطيع لبناني واحد من اليمين او اليسار ان يعلن ذاته ضده لانه يكون قد اعلن ذاته ضد لبنان في وجوده المصيري عينه … أي في قومیته ، من هذا الولاء للدولة تستمد القومية اللبنانية وجودها أكان الولاء للنظام موجودا لدى بعض الأفراد او الأحزاب ام غير موجود . ذلك ما عنيته بقولي : أن القومية اللبنانية هي حقيقة رياضية

لا اجهل أن الولاء للنظام يزيد بوجوده في قوة الولاء للدولة. سآتي على تحليله في المحاضرة التالية التي عنوانها “الخطر الداخلي”. ولكني اعلم أيضا أن عدم الولاء للنظام لدى بعض اللبنانين لا يكفي للقضاء على الدولة اللبنانية التي هي في اساس القومية اللبنانية . كما أن الفصل التام بين الولائين غير ممكن ، هكذا الوصل التام بينهما ايضا فانه غير ممكن . طبيعي أن يكون هناك مواطنون لا يشعرون بالولاء للنظام القائم . لكن هذا اللاولاء يدخل في باب الاصلاح الداخلي لا في باب المبادىء القومية الأولى .

اذا نحن امام الزام قومي مثالي تفرضه علينا الدولة اللبنانية التي وحدها تعبر عن القومية اللبنانية . هذا الالزام القومي المثالي لا يقل الزامية عن الالتزام الوطني الواقعي الذي يدفعنا إلى المحافظة عمليا على لبنان في سيادته واستقلاله . بل لا قيمة للالزام الوطني الواقعي بدون الالتزام القومي المثالي ، لا هدف له . لاغاية له ، لا نكهة له الالزام الوطني الواقعي هو في باب الضرورة البيولوجية. الالزام القومي المثالي هو في باب الضرورة العقيدية.

استنتج من كل هذا أن القومية اللبنانية واجبة . هي واجبة لان الدولة موجودة . تماما كما أن الحركة واجبة لان العاصفة موجودة . التساؤل عن القومية اللبنانية بصيغة الاستفهام خطأ فادح بل جريمة فاضحة . القومية اللبنانية واجبة لا ممكنة . انا لا أقول : هل يمكن أن يكون هناك قومية لبنانية ؟ انا اقول يجب أن يكون هناك قومية لبنانية. ولاصراري داع يبرره. ان طرح السؤال عن القومية اللبنانية بشكل الاستفهام او الامكان يزيل طابع الوجوب والهجوم عن القوميات الثلاث الأخرى في حين أن هذه القوميات الثلاث لا تهادن ولا تمزح . انها زاحفة علينا بضراوة. دعاتها لا يرتابون مقدار ذرة أنها واجبة الوجود . هكذا ينبغي للقومية اللبنانية أن تكون بالمقابل . انها واجبة الوجود بفعل ما يدعون هم أن قومياتهم واجبة الوجود . بدون هذا المنطق لا يجوز لنا أن ننازلهم في عقر دارنا . وهو منطق رياضي محتوم . قد لا يريده خصم القومية اللبنانية . الا انه مفروض عليه بداع من المنطق ذاته . وذودي عن هذا المنطق يجب الا يقترن بالعاطفة فقط . انه يفرض ذاته بذاته على ذاتي وذات سواي اكنا نريد هذا المنطق بالعاطفة ام لا نريده العاطفة نقبل أو لا تقبل. لكن هذا المنطق يتمتع بوجود يتسامى على العاطفة الفردية. الحقيقة رياضية المزاج .كذلك القومية اللبنانية . ان هويتها تدخل في باب الحقائق الرياضية .

رب معترض يقول : ولماذا كل هذا التعب والركض وراء القومية اللبنانية كعقيدة ؟ المهم أن يبقى لبنان . ولبنان باق . لانه اذا تعرض لهجوم غادر من الخارج فان الدول الكبيرة تهرع إلى الذود عنه . والدول الكبيرة لا تذود عنه لان القومية اللبنانية موجودة أو غير موجودة . سيان عندها أكانت تلك القومية اللبنانية ام لم تكن . المهم أن الدول الكبيرة تحرسنا بفعل ما يستلزمه توازن العالم في السياسة الدولية . أي بفعل مصالحها . ومصالحها عندنا دائمة

جوابي على هذا الاعتراض هو التالي : من الاكيد ان لنا ارتباطات . الدول الكبيرة يجب أن نحافظ عليها . ومن الأكيد ايضا اننا سنطلب دعم تلك الدول الكبيرة حين مهاجمنا عدو من الخارج . ومن الاكيد ايضا وايضا أن العقائد النظرية لا تصد غارات الهاجم على حدودنا ، من هذا القبيل انا مؤمن بكون لبنان منيعا للغاية على الصعيد الدولي . ان وضعه الجغرافي والتاريخی حصن الله يجعله امرا عسيرا على الذي يشتهيه . لكن هذا الضمان العسكري بفضل المعاهدات لا يخلق فكرة . ونحن نريد فكرة لاننا نخوض معركتين : الأولى حدودية تدور بين لبنان وغيره من البلاد المحيطة به ، الثانية عقائدية تدور بين القومية اللبنانية والقوميات اللالبنانية التي تشتهينا . الاولى مادية ، الثانية روحية . وعلى رغم اعتباري أن الأولى خطيرة وخطرة فاني اعتبر الثانية مساوية لها . على كل حال اذا كان الوصل التام غير ممكن بين المعركتين فان الفصل التام غير ممكن ايضا . نظرية لا يجوز لنا أن نجابه القوميات اللالبنانية الا بقومية لبنانية . هذه بداهة يفرضها علينا المنطق. اضيف إلى ذلك أن الايمان بالقومية اللبنانية يزيد في الوطنية اللبنانية يوم يحصل بالفعل الاصطدام العسكري الغاشم . اذا من القومية اللبنانية سانطلق في بحثي . وهذا حق لي لا تقدر مطلق سلطة في العالم مها تجبرت أن تحرمني اياه . هذا الحق الذي لي هو حقيقة رياضية

ما هي القومية ؟

ولكن ما هي القومية . السؤال ضخم جدا . وقد أسال الكثير من الحبر بين الذين بحثوا فيه . وحتى اليوم لم يصل واحد منهم إلى جواب واضح صريح و لقد تضاربت الاراء حول القومية ، وتباینت ، واخيرا فشل العلم بصد دها . فدخل مفهوم القومية هكذا في باب المعاضل التي تتخطى كل طاقات الانسان التعريفية. الواقع أن القومية مفهوم لغز . حالها كحال الروح. يشعر بها الانسان الا ان تحديدها بشكل على صعب جدا .

وعلى رغم ذلك لا يجوز لنا الصمت حيال هذا المفهوم الألغوز، تماما كما انه لا يجوز لنا الصمت حيال مفاهيم الوجدان الانساني، التي لم يتمكن العلم ولا الفلسفة من تحديدها بصورة واضحة صريحة. العقل الذي فينا لا يرضى بالسكوت ، ولا يقبل بالتحدي اللامعرفي له . لقد فطر على المغامرات الفكرية التي منها يستمد عظمته وحقارته في الوقت نفسه.

نحن بدورنا لا نريد أن نسكت حیال مفهوم القومية العاصي . من حقنا أن نجرب حظنا معه ، وان نرمي بدلونا بين الدلاء، علنا تخرج به ماء صافية ، لاسيما وان المعركة التي نخوضها ، والتي شبت نيرانها فوق ارضنا ، هي معركة قومية فوق ما هي معركة سلاحية . لنحددن اذا القومية سالكين لاجلها اقرب الدروب واسهلها واضمنها .

القومية هي تزاوج بين الطبيعة و الانسان . الانسان يرتبط جبرا برقعة من رقع الأرض . هذا الارتباط ليس اعتباطية هو لا يأتي وليد الاصطلاح. هو لا يفبرك بصورة اصطناعية. هذا الارتباط وقف على الإنسان كما أنه وقف عليه لون شعره وطول قامته . حتما أقصد بالأرض تلك التي تصلح زرع ورياً . انها ارض اقتصادية .

انا لا اتكلم عن الإنسان الفرد الذي يستطيع لغايات خاصة أن ينتقل من وطن إلى وطن. اللبناني يستطيع كفرد أن ينتقل الى فرنسا مثلا ليسكن فيها نهائيا مع الاشارة إلى أن هذا الانتقال يحصل في المكان . اللبناني يبقى لبنانياً بمزاجه وذهنيته ولو صار فرنسي الجنسية بالقانون. المزاج والذهن وقف عليه بما يتخطى كثيرا الارادة الفردية .

اذا انا لا اتكلم عن الانسان الفرد . انا اتكلم عن الانسان المجتمع . هذا الانسان ليس مطلق انسان ، لان ارتباطه بالارض ليس مطلق ارتباط، اقصد ليس ارتباطا من الخارج كما يحصل التصاق الشيء بالشيء من الخارج ، والا لتمكن مطلق انسان أن يعيش في مطلق ارض . الواقع يكذب هذا القول ان تناحر الشعوب فيما بينها عبر التاريخ يدور على الأرض اي على الوطن. هناك من يدافع عن وطنه ، ووطنه ارض ؛ وهناك من يجتاح باسم وطنه ، ووطنه ارض . لو كان ارتباط الإنسان بالأرض هو التصاق يمكن أن يكون لا يجب ان يكون لما دافع انسان عن وطنه . لما كانت حروب. لما كانت صراعات . لما كانت ثورات وبطولات . لما كانت حضارات . وبكلمة واحدة لما كانت الإنسانية .

الإنسانية هي مجموعة من الشعوب يرتبط الانسان في كل منها بارض معينة. الفرنسي يرتبط بالأرض الفرنسية . الروسي يرتبط بالأرض الروسية . المصري يرتبط بالأرض المصرية. ولهذا الارتباط الخاص بين انسان خاص وارض خاصة معنی فلسفي بعيد الاشارة . هو يعني ان الانسانية ليست في الإنسانية . الإنسانية موجودة في مجتمعات انسانية … المجتمع الفرنسي ، المجتمع اللبناني ، المجتمع الأميركي . مجموع هذه المجتمعات يؤلف الانسانية كجوهر مطلق ، وجودية لا انسانية الا في المجتمعات الإنسانية . وهكذا نقع في النسبية التي تفيد ان الانسان عاجز عن أن يدرك المطلق في المطلق ابتداء من المطلق دون الارتكاز على الخاص . يعني الاسماء بدون ارض ، أي لاسماء الا ذهابا من الارض ، بل لاسماء الا بفضل الأرض . والأرض ارضون . فالانسانية المثالية التي يطمح اليها الانسان بدعوة من الروح هي امتداد لوطنية واقعية ورد عليها . ولا وطنية بدون وطن . ولا وطن بدون ارض . ولا ارض بدون جسم. هنا اصل إلى الخطوة الثانية في تحديدي للقومية

لو لا الجسم الذي لنا ما كان الارتباط بارض خاصة . لأدرك الإنسان بروحه فقط جوهر المطلق في المطلق ذهابا من المطلق . لكن الجسم واقف بالمرصاد ليعطل هذا الاتصال بالمطلق مباشرة . لا بد من واسطة . والواسطة هنا هي الجسم . والجسم رهين محبسين: الزمان والمكان . الجسم هو الذي يرص الانسان رصة محكمة في حيز النسبية. بسببه لا يعود الانسان قادرة على ادراك اللامكان بدون المكان الخاص . بسبب الجسم هناك امكنة . لا روح بدون جسم. اي لا روح الا ذهابا من الجسم. بل لا روح الا بفضل الجسم . اذأ القومية وقف على الانسان .

هنا يتضح لنا خطأ الذين يريدون القضاء على القومية كالشيوعيين والاشتراكيين المتطرفين بنزوعهم نحو انسانية لا قوميات لها كاساس انطلاق . لكأن الإنسان قادر على التخلص من الجسم الذي له ، فقط لانه اراد ذلك بالفكر المجرد، المعزول بتاتا عن سماكات الوجود المادي . هذه الارادة خاوية . هي محلولة ومشلولة . والدليل هو في التهافت الذي اصاب الشيوعية فاصبحت شيوعيات قومية او قوميات شيوعية ، كل شيوعية تأقلمت وفق الأرض الخاصة التي احتضنتها كما يحتضن الاناء الماء. في المحاضرة الثالثة ساحدثكم عن الشيوعية كيف اصبحت بضاعة سوفياتية للتصدير نحو الخارج باسم القومية الروسية . لا شيوعية اممية بعد اليوم ، لقد تأقلمت فتقومنت .

ولكن كيف نبرهن على وجود القومية ؟ بالاجابة عن هذا السؤال اكون قد خطوت الخطوة الثالثة في تحديدي للقومية.

قلت اولا بانه لا بد للانسان من ارتباط خاص بينه وبين ارض خاصة . تلك هي الخطوة الأولى . وقلت أن هذا الأرتباط هو بداع من الجسم. تلك هي الخطوة الثانية هناك ارتباط خاص آخر هو الذي يحصل بين الإنسان والانسان . ايضا بداع من الجسم . أن مطلق انسان لا يرتبط بمطلق انسان وهنا العلاقة ليست التصاقا من الخارج يمكن قطعها ساعة يريد الفرد و بالشكل الذي يريد . الارتباط هنا هو ارتباط حتمي . … ارتباط يسمو على الأرادة الفردية . لذا لا يستطيع الفرد منا أن يتصرف به كما يروقه . من الجسم التي بربط الإنسان بالطبيعة فيكون المكان يربط ايضا الانسان بالانسان فيكون الزمان . ذلك هو التاريخ واللغة.

عن هذا الارتباط الخاص بالمكان والزمان يصدر المجتمع. والمجتمع عدة مستويات. اضيقها العائلة واوسعها الدولة . في الدولة تتجسد القومية.

القومية وجود سياسي الدولة. هي البرهان عليها . في الدولة و بالدولة تتمظهر القومية. الدولة تثبت أن كل الوقائع التي يتألف منها الشعور القومي (کالواقع الجغرافي ، والواقع الاقتصادي ، والواقع التاريخي ، والواقع اللغوي) قد نضجت فتحققت كاملة في مجال السياسة . نحن هنا لسنا في اطار الفن او التصوف حتى نكتفي بالمثاليات دون الواقعيات نحن هنا في مجال السياسة . وهذا يعني أن كل شعور قومي لا يتحقق بعد مدة من الزمن في کیان سياسي هو شعور ناقص هو شعور مبتور عن الواقع غير عياش . هو قوة بلا فعل . بكلة أوضح هو خيال. الدولة وحدها تشير إلى وجود القومية. … الى أن الشعب يمارس بحرية تامة ناجزة ذاتيته الجغرافية والاقتصادية والتاريخية واللغوية. الدولة تقول بان الشعب أصبح سيداً على شؤونه الداخلية و مستقلا في علاقاته الخارجية . حيثا الدولة هناك القومية . تماما كالفعل والقوة . حيثها الفعل هناك القوة .

وصلت الى بيت القصيد . القومية اللبنانية موجودة لان الدولة اللبنانية موجودة . هذه الدولة دليل ساطع إلى أن لبنان يقوم على ذاتيات اثنية خاصة به : ذاتية جغرافية ، وذاتية اقتصادية ، وذاتية تاريخية ، وذاتية لغوية . تلك الذاتيات هي صمدانيات جعلت من لبنان قومية تختلف عن القوميات التي تحيط به . اعلم جيدا أن القومي العربي او القومي السوري الاجتماعي او القومي الصهيوني لا يرضى بكلامي . هو لا يريد أن يعترف بوجود القومية اللبنانية. لكأن القضية قضية ارادة فردية . او حزبية . ولكن باي حق لا يريد أن يعترف بها وهي موجودة بفعل الدولة اللبنانية وقانونها ارضي هو او لم يرض ؟ ثم باي حق يريد مني أن أعترف بوجود قوميته وهي غير موجودة بعد لا بالفعل ولا بالقانون ؟ القضية ليست قضية عاطفة تريد او لا تريد . القضية قضية منطق تفرضه علينا الحقيقة الرياضية .

انا اقبل منه بالنظر ان يناضل في سبيل القضاء على القومية اللبنانية . هذا حق له مقدس . كما يجب عليه أن يقبل نضالي في سبيل ابطال شعوره القومی من أن يتحقق . هذا حق لي مقدس . هنا نحن على صعيد العاطفة التي تناضل . والعاطفة مقدسة . اما أن يرفض وجود القومية اللبنانية التي لا يريدها وان يجبرني على الاعتراف بوجود قوميته التي يريدها فهذا امر يتخطاني ويتخطاه الوجود بالفعل ليس وليد التصورات العاطفية . فهو اما أن يكون واما ان لا يكون. الوجود بالفعل شيء موجود في حد ذاته . هكذا القومية اللبنانية . انها موجودة وان كان خصمي لا يريدها . وقوميته غير موجودة وان كان يريدها . الوجود هو الذي يؤكد لنا أن الشيء موجود. الدولة هي مقياس الوجود في القوميات . لسبب واضح القومية وجود سياسي . والدولة هي اعلى المقاييس التدليلية في مجالات السياسة النضال السلبي أو الايجاني هو الذي يدخل في حوزتنا . اما الوجود القومي فانه وقف علينا جميعا بفعل الدولة وقانونها .

عناصر القومية

هنا علي ان أجيب اجابة خاطفة عن سؤال يدور حول عناصر القومية . كم هي ؟ ولماذا اخترت منها اربعة عناصر فقط : الأرض والاقتصاد والتاريخ واللغة.

لا اجهل أن هذه الناحية اسألت الكثير من الحبر . علماء الاجماع بحثوا فيها. أيضا علماء السياسة . وقد تعددت الآراء ، وتباينت ، وتخالفت ، دون ما فائدة . عندي أن القومية شبيهة بالإنسان . انها تتألف من عنصرين كبيرين : العنصر المادي و العنصر الروحي . هناك الطبيعة وهناك الانسان . لا قومية بالطبيعة وحدها دون الانسان ، ولا قومية بالإنسان وحده دون الطبيعة . الانسان والطبيعة وجها لوجه تلك هي القومية في اساسها . لا جدوى بعد ذلك من التساؤل عما اذا كان الانسان اهم واخطر من الطبيعة او اذا كانت الطبيعة أهم واخطر من الانسان . ثم لا جدوى من التساؤل عما اذا كان الانسان اولا ثم الطبيعة ، او اذا کانت الطبيعة أولا ثم الانسان تلك مناقشات بزنطية لا طائل تحتها البتة. الطبيعة والإنسان في القومية يتجاوبان ويتواجبان . لا تجاوب بينهما دون تواجب كما أنه لا تواجب بينها دون تجاوب . كل منها امتداد لآخر ورد عليه .

هذا هو رأينا في تلك المشكلة التي اسالت آلاف البراميل من الحبر سدى وعبئا . واذا كنا نبدأ بالعنصر الطبيعي فليس مرد ذلك إلى انه الأول جبرة بحد ذاته ، بل الى أنه لا بد لنا من الابتداء باحدهما فبدأنا بعنصر الطبيعة والطبيعة ارض واقتصاد، اما الانسان فتاريخ ولغة.

الأرض اللبنانية

نظرة الى ارض لبنان، نجد أنها تتميز عما حولها من الأراضي، وتثبت أن لها خصائص مكنتها من أن تكون ارض وطن مميز .

– انها قريبة جدا من أن تؤلف وحدة جغرافية مستكملة ، غنية التنوع بسواحلها وجبالها و اودیتها وسهولها وانهرها وينابيعها . هذا مع اتصال اجزائها بحيث تسهل المواصلات فيا بينها وخصوصا بوسائل العصر الحديث

– هذه الأرض هي على البحر المتوسط ، وفي نقطة متوسطة بين البلدان التي كانت مهد الحضارة ، وعند ملتقى الطرق العالمية بين قارات ثلاث : آسيا وأفريقيا واوروبا . جميعها حقائق اعانت لبنان على أن يكون بلد فكر وتجارة واتصال دائم بالعالم وتفتح على الجديد منه

– الطبيعة الجبلية في معظم ارض لبنان . هذه الطبيعة كانت على العصور عاملا حيويا في منع الغزاة والفاتحين وفي بقاء لبنان نواة تتمتع بكيان ذاتي حتى اظلم عهود التاريخ . هذا فضلا عن اثر تلك الطبيعة الجبلية في تجميل لبنان وجعله مناخا صحيا، سليما، وعن اثر تلك الطبيعة ايضا في اللبنانيين انفسهم . فقد شددت عزائمهم ، وقوت انفتهم ، واصلت فيهم النزعة إلى الاستقلال ، والحرية ، والتطلع أبدأ إلى العلاء ، شامخي الرؤوس تواقين إلى السمو .

– و حظ هذه الأرض الموفور من الأمطار بحيث دعي لبنان قصر المياه في الشرق الأوسط . أضف إلى ذلك أن جميع الانهر في لبنان تنبع من الأرض نفسها. الفصول منتظمة مع اعتدال رائع في المناخ مما جعل الأرض اللبنانية بين مراکش غربا و العراق شرقا الوحيدة التي لا صحراء فيها وبالتالي لا قبائل فيها رحلا أو بدائية

الاقتصاد اللبناني

ان الزراعة والصناعة هما من القطاعات الاقتصادية الهامة في لبنان ، ولكن قطاع التجارة والخدمات هو الذي بطبع الاقتصاد اللبناني بطابعه الفريد. فدخوله يوازي 60 ٪ من الدخل القومي ، بين القطاع الزراعي والقطاع الصناعي يتوزعان الرصيد الباقي بنسبة متساوية .

هكذا نرى أن التجارة لعبت دورا بارزأ في حياة لبنان الاقتصادية ، وذلك بفضل موقعه الجغرافي الممتاز ، هذا الموقع الذي ساعد اللبنانيين على أن يكونوا منذ القدم صلة الوصل بين الشعوب ، فركبوا البحار ، وحملوا البضائع والسلع الى تلك الشعوب ، استخدموا المقايضة وسيلة في التبادل التجاري .

اما اسباب توسع التجارة اللبنانية فعديدة أهمها :

– اسباب بشرية : تعود الى ما يتميز به اللبناني من ذهن متفتح ورغبة في الاطلاع والمعرفة وسعة في التفكير استطاع بفضلها أن ينشىء علاقات واسعة ممتازة مع البلدان الأجنبية رسخت اقدامه في عالم التجارة .

– اسباب طبيعية : تعود إلى تفرد لبنان بمركز جغرافي يؤهله للقيام بدور فعال في سبيل تسهيل التجارة لاكثر بلدان الشرق الأوسط تصديرا واستيرادا

– اسباب سياسية : استطاع لبنان أن يقم علاقات طيبة مع اكثر دول الشرق والغرب . فعقد معها معاهدات تجارية كانت عاملا هامة من عوامل توسع تجارته

– و اسباب قانونية : اعتمد لبنان في تجارته نظاما خاصا به يرتكز على الحرية في قطاعي التجارة والمال . فالتصدير والاستيراد غير مقيدين الا بما يدعو لحماية الانتاج الوطني ، من هنا كون الاقتصاد اللبناني هو اقتصاد حر.

التاريخ اللبناني

منذ ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح كان لبنان وكان اللبنانيون. هذا التاريخ يتصل من الكنعانيين و الفينيقيين الى ايامنا الحاضرة . خلاله كان لبنان مستقلا لا يسيطر الفاتحون الا على جزء صغير او كبير من ارضه . كان الشعب اللبناني يتلقى موجات بشرية تأتيه فاتحة أو لاجئة من الاضطهاد. لكنها كانت: تنتهي بان تلبنن فيبقى لبنان ويبقى الشعب اللبناني . وهكذا ما ضاعت شخصية لبنان واللبنانيون لا في عهد الامبراطورية الفرعونية ولا الحثية ولا الاشورية ولا البابلية ولا الفارسية ولا امبراطورية الاسكندر وخلفائه او امبراطورية الرومان الغربيين او الرومان الشرقيين البزنطيين او امبراطورية العرب او الدول الصليبية او دولة الفاطميين او الماليك او سلطنة العثمانيين او عهد الانتداب.

لقد احتفظ لبنان دائما بشخصية اكدها على مرور الزمن التاريخ المشترك فيها بين طوائفه المتعددة . هذه الشخصية تجلت في مظهرين عريقين : حرص اللبنانيين على أن تكون لهم دولتهم الوطنية السيدة المستقلة ، ثم ابداع اللبنانيين في مجال الثقافة والحضارة بشکل خصب جدا ، تكون منه تراث لبناني نفيس.

اللغة او اللغات

لم يقتصر لبنان في عصر من عصوره على لغة واحدة اداة للاخذ والعطاء في المجالات الحضارية من ادب وعلم وفلسفة. لقد امتاز اللبناني في كل الأجيال بحذق اللغات . فجمع بين لغتين او اكثر. هذه الطاقة المرموقة في اللبنانيين جعلتهم يتقدمون شعوب العالم التي ندر منها اليوم شعب لا يمارس في مناهجه التعليمية الرسمية قاعدة اللغتين لكل مواطن : اللغة الام ولغة اخرى عالمية يتكمل بها .

ربما رجعت هذه الطاقة اللغوية عند اللبناني الى قوة التجرید التي برع فيها منذ القديم والتي يتصف بها عادة الإنسان التاجر. ولا غرابة. فاللبناني هو الذي استنبط الحروف الهجائية المؤلفة من علامات دقيقة ، لا تؤدي الواحدة منها معني بنفسها ، ولكنها تعطي على نحو تؤدي الكلمة فيها إلى الذهن معني ، بدون اي علاقة شكلية بينها وبين ذلك، ثم تعطى على نحو آخر فتصبح كلمة مختلفة تؤدي معنى آخر .

هذه الطاقه اللغوية عند اللبناني جعلته سباقا في ميادين الثقافة. في لبنان وعلى ايدي اللبنانيين انشئت في الشرق العربي اولى المدارس الحديثة . وظهرت أول مطبعة عربية . وقامت اول جمعية عالمية عربية . وقدمت أولى التمثيليات العربية . وصدرت اول جريدة سياسية . وصدر اول معجم عربي حديث ، وأولى الموسوعات العربية ، وأولى المجلات العلمية العامة .

الدولة اللبنانية

هذه العناصر الأربعة التي اتيت على ذكرها، بصورة الاربعة، اي الارض والاقتصاد والتاريخ واللغة، لا تكفي وحدها من حيث التدليل على وجود القومية اللبنانية . نحن هنا في مجال السياسة ، قلت ، لا في مجال الشعر او الفن او التصوف القومية وجود سياسي . وكل شعور قومي لا يتجسد في وجود سياسي واضح المعالم لا يحق له بالتسمية القومية . انه شعور لا أكثر ولا أقل . الدولة هي التي تبرهن لنا في السياسة أن الشعور القومي عياش ومعیوش .

عناصر الأرض و الاقتصاد و التاريخ و اللغة تجسدت عندنا في الدولة اللبنانية . لولا تلك العناصر ما كانت الدولة اللبنانية و ولولا الدولة اللبنانية ما انتقل شعورنا القومي اللبناني إلى قومية لبنانية بالفعل . هذه الدولة اللبنانية موجودة . اذا القومية اللبنانية موجودة من حيث التدليل نحن نبدأ بالدولة اللبنانية اولا . هي التي تشير إلى وجود العناصر في القومية اللبنانية . من حيث الواقع نحن نبدأ بتلك العناصر اولا . لولاها ما كانت الدولة اللبنانية . اذآ الدولة هي بداية ونهاية . بداية في التدليل المنطقي ، ونهاية في واقع التطور .

اری بعضكم يحرك شفاهه ليعترض. انا افهم ذلك . وابرره . ولكن على رسلكم قليلا . هذا البعض يخلط بين الحكومة اللبنانية. والدولة اللبنانية ، وهو على نصف الحق .

ان الحكومة اللبنانية كانت تعبر غالبا عن شيء من الارادات الأجنبية امر صحيح ربما بالامس . وقد يكون صحيحة اليوم . وهو يحدث في كل بلاد العالم حتى في الدول الكبيرة التي تدعي النفسها كامل التصرف بحرية فوق ارضها.

لكن الارادات الاجنبية لم تستطع أن تؤلف الدولة اللبنانية . ليست هي التي أوجدت الأرض اللبنانية في وحدة جغرافيتها وليست هي التي جعلت اقتصادنا من النوع الذي فرضته علينا الطبيعة . وليست هي التي فبركت ما لنا من تاريخ يعود الى آلاف السنين . وليست هي التي اجبرتنا على أن نكون من اصحاب الالسنة العديدة . الارادات الاجنبية تنطلق من شيء كائن . ربما زادت عليه ، او انقصت منه . الا انها لا تستطيع أن تخلق شيئا من لا شيء كما يروقها. الأرادات الأجنبية اوجدت بعض الحكومات اللبنانية. لا عجب . هذا أمر يحدث في كل مكان وزمان . ولكن تلك الارادات الاجنبية لم توجد الصمدانيات التي للبنان : الأرض ، والاقتصاد، والتاريخ ، واللغة لم توجد الدولة اللبنانية التي عبرت حقوقيا بوجودها في نظر العالم عن وجود تلك الصمدنيات اللبنانية .

الذين لا يريدون القومية اللبنانية يجب عليهم أن يطيحوا بالدولة اللبنانية لا بالحكومة اللبنانية . الانقلاب على الحكومة اللبنانية لا يلغي الدولة اللبنانية . المؤامرة على الحكومة اللبنانية لا تلغي الدولة اللبنانية بعضنا في الحكومة ، كلنا في الدولة . الذي ينقلب على الحكومة اللبنانية هو جبرا في الدولة اللبنانية وهكذا نحن دائما وابدا ضمن الدولة اللبنانية . اكثر من ذلك . يفضلها نثور عليها لنبقى دوما في دائرتها . لذا قلت واکرر بان القومية اللبنانية هي حقيقة رياضية .

الخطر الخارجي

وصلت الآن إلى قلب الموضوع الذي نحن بصدده . الا وهو الخطر الخارجي . اين يكمن هذا الخطر على القومية اللبنانية ؟

انه يكمن في ما هو على قدم التساوي معها باعتبار القومية . القومية هي التي تلغي القومية. . . يعني ان عدو القومية اللبنانية هو في قومية أخرى تستهدف معالمنا القومية ذاتا. بكلام واضح وافضح : أن اللاغي للقومية اللبنانية هو في القومية العربية والقومية السورية الاجتماعية والقومية الصهيونية .

اكرر ما قلته في المحاضرة الأولي. اشد تلك القوميات الثلاث خطر وخطورة هي بدون شك القومية الصهيونية . هذا من حيث المضمون الحضاري . من حيث الاطار الجغرافي السياسي لا فارق بالنسبة لاطارنا الجغرافي السياسي فيا بين تلك القوميات الثلاث الذي ينقلب على الحكومة اللبنانية هو جبرا في الدولة اللبنانية وهكذا نحن دائما وابدا ضمن الدولة اللبنانية . اكثر من ذلك . يفضلها نثور عليها لنبقى دوما في دائرتها . لذا قلت واکرر بان القومية اللبنانية هي حقيقة رياضية .

هذه القوميات الثلاث رسمت لذاتها اطراً جغرافية سياسية لا تتفق مع اطارنا الجغرافي السياسي . هي تريد ان تبلعنا . لاجل ذلك قلت بانها تتساوی ها هنا من حيث الخطر الخارجي على لبنان . كل منها تريد القضاء على وحدته الجغرافية التي اعترف العالم قاطبة باأنها ذات حدود معينة . وهكذا ينهار مدماك اساسي في بناء القومية اللبنانية . متى الغيت وحدتنا الجغرافية في حدودها المعترف بها حقوقية من دول العالم الغيت سيادتنا على الشؤون الداخلية والغي استقلالنا في العلاقات الخارجية . وبالتالي الغيت حريتنا القومية ايضا والاطار الجغرافي السياسي الذي للقومية العربية تمتد من المحيط الى الخليج . حدودنا طارت في هذه القومية. الاطار الجغرافي السياسي الذي للقومية السورية الاجتماعية هو الهلال الخصيب و حدودنا طارت في هذه القومية. الاطار الجغرافي السياسي الذي للقومية الصهيونية يمتد من الفرات إلى النيل. ایضا حدودنا طارت في هذه القومية .

رب قائل : الا تستطيع هذه القوميات الثلاث ان تتحقق دون المس بالقومية اللبنانية ؟

الجواب : ذلك غير ممكن . والسعي خلفه کالسعي خلف تدوير الزوايا وهي بعد زوايا ، او کالسعي خلف تسطيح قمم الجبال وهي بعد قمم تناطح السحاب . ان العلاقة بين الدولة والقومية ذات اتجاه واحد. لا قوميتان في دولة واحدة ، ولا دولتان في قومیة واحدة . لكل دولة قومية واحدة، ولكل قومية دولة واحدة ، ولا بد للقومية الواحدة من دولة واحدة واذا تجسدت احدى هذه القوميات الثلاث المذكورة في الدولة التي يجب أن تكون لها فهذا يعني أن الدولة اللبنانية زالت وزالت معها بالضرورة القومية اللبنانية .

رب قائل : الا يحق لهذه القوميات أن تعمل في سبيل تحقيق ذاتها وفق المشروع الذي رسمته لذاتها ؟

الجواب : لها ملء الحق الذاتي . ذلك يتوقف عليها . ايضا لي ملء الحق أن اذود عن قوميتي اللبنانية هنا على صعيد الكفاح يتساوى الجميع . تبقى الحقيقة الرياضية التي تحدثت عنها في اول المعالجة. القومية اللبنانية هي الموجودة وحدها هناك دولة لبنانية .اذا القومية اللبنانية حقيقة رياضية القوميات الثلاث الأخرى ما زالت في طور الكفاح لان تتدولن . الغريب أن القوميين العرب والقوميين السوريين الاجتماعيين لا يعترفون بوجود القومية اللبنانية . والعجيب هو ایهامهم ایانا انهم حريصون على الكيان اللبناني . هكذا يعتقدون.

الواقع الصراح هنا يقول بانه لا مجال التوافق بين قومياتهم وقوميتنا . اما هم واما نحن . هذا ما يعلنه منطق العقل . الا انهم لا يجرؤن على كشف الغطاء عن نياتهم القومية . لذا يحاولون استدراجنا لاعبين على الألفاظ بالالفاظ . يقولون مثلا : اجل! نحن قوميون عرب او سوریون اجتماعيون ولكننا ندافع عن الكيان اللبناني . انه رقص على حبال الألفاظ . كلمة كيان في أذهانهم تشير إلى وطن عابر . تشير الى مرحلة يجب أن تتخطاها في سبيل ما هو أوسع واكبر واشمل . من هنا انهم لا يلفظون اسم القومية اللبنانية . ولا دهش. فهم يعلمون انهم يقعون اذ ذاك في تناقض فكري واضح فاضح . بين القومية العربية او السورية الاجتماعية والكيان السياسي الذي للبنان استدراج مبطن . الأولى تحتضن الثاني دون اعتراض عقيدي من جهة الفكر . الا انه يوجد اعتراض عقيدي واضح فاضح بين القومية اللبنانية من جهة والقوميتين المذكورتين اعلاه . احداهما تلغي الأخرى، لانه لا قوميتان في دولة واحدة، كما أنه لا دولتان في قومية واحدة.

لا بد لي هنا من ملاحظة عابرة كي اغسل من اذهان بعض اللبنانيين والعروبيين مغالطة قائمة على سوء فهم وسوء تفاهم .

يظن البعض أن المعركة تدور بين لبنان والعروبة . وانا أؤكد أنه لا خصومة بين لبنان والعروبة . وها انني اعلن امامكم كوني عربياً لا غش فيه . هذا واقع هو فخر لي . لكن يجب علينا أن نميز بين عروبة سياسية وعروبة لسانية . الاولى هي القومية العربية. وانها لواهمة وطاغية بعنف ايضا . هي خطر على لبنان . نحن نرفضها . الثانية هي الأمة العربية ، والامة غير القومية . وانها لراهنة تتسم بالايجاب . هي ليست خطرا على لبنان . قوامها اللغة العربية . ولبنان في صميم تلك اللغة نحن نقبلها . العروبة السياسية مشاكسة ، لبنان مطمح الرماية فيها : العروبة اللسانية مسالمة، وقد كان لبنان ، ولما يزل ، ناطورها الأكبر والأوعی.

العقل هو الذي يفرض علينا هذا التمييز . وحاشا للبنان ان يتكابر على العقل . فباسم العقل ترفض العروبة السياسية التي هي ذاتها القومية العربية . ولا قوميتان في دولة واحدة. وباسم العقل نقبل العروبة اللسانية التي هي ذاتها الأمة العربية . ولا تناقض في دولة واحدة بين امة وقومية تختلفان بالتسمية

هل نجحت القوميتان، العربية والسورية الاجتماعية، في تحقيق آمالها ؟

القومية العربية اخفقت حتى الآن في تحقيق ذاتها دولة واحدة من المحيط الى الخليج . والظاهر أن هذا المشروع سيظل بعيدا جدا عن التحقيق لأن الأقليمية تشتد بالعرب اكثر فاكثر يوما بعد يوم. السوري يتمسك بسوريته ، المصري بمصريته ، الاردني باردنيته ، العراقي بعراقيته ، السعودي بسعوديته ، الجزائري بجزائريته ، الى ما هناك من اوطان في الشرق العربي . و ان نظرة صريحة لتطور شرقنا الأوسط ترينا كيف أن عدد الدول فيه يزيد باطراد . الأمر الذي يعني ان امكان تحقيق الوحدة السياسية بين المحيط والخليج يتناقص شيئا فشيئا .

غير منكر ان الشعور القومي العربي موجود . … موجود كرغبة في بعض الأذهان. وهو موجود بوجود الخطر الذي يتحدى الشرق العربي من الخارج . لكنه لا يستند الى قابلية في الداخل هي وليدة نضوج قومي ذاتي لدى الشعوب العربية . هنا سبب اخفاق الشعور القومي العربي في الانتقال الى وجوده كقومية عربية ذات دولة عربية واحدة تمتد من المحيط الى الخليج. الشعور القومي العربي سلبي المزاج . يوم يزول كل تحد من الخارج يزول هو جبرا . وحدة مصر وسوريا هي اكبر شاهد على ما اقول .

القومية السورية الاجتماعية تقوم على مخطط سياسي و نظرة فلسفية . اترك هذه النظرة. واتناول المخطط السياسي الذي يرمي إلى تحقيق الهلال الخصيب ، كما حدده سعاده ، بقوله: يمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي ، وجبل البختياري في الشمال الشرقي ، الى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب ، شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة. ومن البحر السوري في الغرب ، شاملة جزيرة قبرص، الى قوس الصحراء العربية ، وخليج العجم في الشرق . ويعبر عنها بلفظ عام : الهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص

الهلال السوري الخصيب يكون ، في نظر سعاده ، وحدة جغرافية اقتصادية يعمل حزبه على تحقيقها ، في كيان سياسي واحد. واضح ان لبنان السياسي لا يعود له بقاء في هلال كهذا . يسترعي انتباهي ، ها هنا ، الفشل الذي كان نصيب الانقلابين ، في سنة 1949 وسنة 1961 . لماذا لم ينجح الحزب ، بعد ثلاثين سنة على وجه التقريب ، في تحقيق مخططه السياسي ؟

جهلوا رسالة لبنان العقائدية والرسولية في هذه المعركة. لذا يتحرشون به غيرة وضغينة . ولكن صدقوني أن النور لن ينبلج الا من عندنا والحق لن يذاع الا من عندنا. و كلمة الفصل العقائدية لن تقال الا من عندنا

كمال يوسف الحاج

لقد ارتكب الحزب السوري القومي الاجتماعي ثلاثة اخطاء. الخطأ الأول جغرافي . سمي الهلال الخصيب هلالا لان شكله يشبه الهلال ، لا لأن ثمة وحدة جغرافية صارمة ، تسوقنا حتما إلى وحدة سياسية . الخطأ الثاني تاريخي . أن التاريخ ذاته لا يثبت لنا أن الهلال الخصيب كان ذا حضارة واحدة عبر الزمن . بالعكس تماما . لقد كان میدان تنافس ، بين عدة شعوب ، لم تتمكن من توحيد حضاراتها المتباينة . الخطأ الثالث سياسي الوحدة السياسية تفرضها مشيئة القوم كما يفرضها الواقع الجغرافي .

نحن اللبنانيين ، بفطرتنا التي لا تقبل غير الواضح والراسخ في اصول الحياة ، ننفر قلبا وقالبا من الهلال السوري الخصيب . انا لبناننا الذي لا ولن نتنازل عنه لاجل قومية فكرة . الهلال السوري الخصيب فكرة. وكل فكرة قومية لا تجد ، في الشعب، ركيزة لها كي تنطلق نحو التحقيق ، هي فكرة خيالية . مشروع الهلال الخصيب ليس له في نفوسنا جذور اقتناع. انه ظن واعتبار لا واقع وحقيقة . امامه الضم بقوة السلاح . امامه الانقلابات . امامه الاغتيالات . امامه المؤامرات . وهذا يتنافي مع القوة الصحيحة التي هي اقتناع من الباطن الذين يريدون الهلال الخصيب ، عندنا ، بامكانهم أن يقنعوا بعض اللبنانيين بعض الوقت ، أو بعض اللبنانيين كل الوقت ، لكنهم لن يستطيعوا أن يقنعوا كل اللبنانين كل الوقت .

اصل إلى القومية الصهيونية ، هنا يجب أن تجمد كل المشاريع القومية تحت سماء الشرق العربي ، وتتعاقد الخناصر ، لاجل الوقوف بقوة في وجه اوحش عنصرية اطلت على الإنسانية منذ ان كانت الإنسانية .

القضية فلسطين وجه خاص يجعلها فريدة بين كل القضايا التي عرضت حتى الآن على بساط البحث في الامم المتحدة . هذا الوجه ذو لون روحي بالاضافة إلى اللون السياسي الذي له . بل فوق اللون السياسي الذي له . ذلك أنه يشير إلى اعظم واقعين روحيين في تاريخ البشرية : قبر المسيح والمسجد الأقصى من هنا أن شعوب الأرض كلها ترتبط بقضية فلسطين ارتباطأ حيا . ومن هنا ايضا أن شعوب الأرض تقيمها في قطاع من وجود الإنسانية فوق القطاع السياسي ، وبالتالي الاقتصادي والعسكري ، رغم التلاحم الكائن بقوة بين هذه القطاعات الثلاثة . أن جهلنا لتلك المفارقة في قضية فلسطين عقدها تعقيدا لا مثيل له. فاستعسرت على الأمم المتحدة التي لا تنظر إلى القضايا الا نظرة سياسية فقط . واتت الحلول بشأنها انصاف حلول وبقي الباب الصراعي مفتوحا بين الطرفين المتجاذبين . هكذا يستفحل الداء شيئا فشيئا ، ومعه يستعصي الدواء في الوقت نفسه وددت لو حدثتكم ساعات و ایاماً واسابيع حول هذا الوحش الذي هو القومية الصهيونية . لكن الوقت ضيق . وسيكون لي في المستقبل ان شاء الله أكثر من مناسبة لأفرغ الذي عندي بصددها. اريد أن اختم حديثي بما يلي :

لم اشعر ذات مرة برهبوت الموقف الذي تقفه الإنسانيه كلها كما اشعر به في الزمن الحاضر الفكر الصهيوني هو اشرس فکر بين صفحات التاريخ . الحضارة الصهيونية هي اوحش حضارة بين صفحات التاريخ. القومية الصهيونية هي افتك واجرح واكلب قومية بين صفحات التاريخ . انها الغول الذي طلع الآن على الإنسانية کلها ليبتلع كل الانسانية . الويل مرتين جميع امم الارض اذا حكم اسرائيل

لبنان هو في صميم هذه المعركة . هو قلبها . ربما غابت عنا اليوم رسالة لبنان العقائدية في هذه المعركة . ربما غابت عنا ايضا رسوليته . اشقائنا العرب جهلوا رسالة لبنان العقائدية والرسولية في هذه المعركة . لذا يتحرشون به غيرة وضغينة . ولكن صدقوني أن النور لن ينبلج الا من عندنا والحق لن يذاع الا من عندنا . و كلمة الفصل العقائدية لن تقال الا من عندنا.

تجاه المعركة التي نخوض ضد الصهيونية تتراءى لي عبثية كل المحاولات القومية الحاضرة من عربية وسورية اجتماعية. الوقت ليس وقتها ، وهذا يعني انه ينبغي ارجاؤها إلى اجل غير مسمی . اذ لا اجماع حول القومية العربية . لا اجماع حول القومية السورية الاجتماعية . كلما طرحت جهارا هاتان القومیتان زاد الخلاف والاقتتال بين دول الشرق العربي . المستفيد هو اسرائيل .

لبنان هو قلب المعركة . قلته واعيده. فكل محاولة قومية من الخارج تريد أن تقضي على القومية اللبنانية نصيبها الفشل والانخذال . تذكرون ماذا اعلنت في المحاضرة الأولى ؟ أن مطلق يد غادرة تمتد للبنان يقطعها التاريخ من الكتف . تترمد قبل أن تصل إلى اتربة لبنان . لبنان وقف من التاريخ على جميع الامم. لبنان حقيقة رياضية الويل لمن يهتك قدسيته . فان التاريخ ذاته يبیده.

الدكتور كمال يوسف الحاج*

*ولد في قرية الشبانية من قرى قضاء بعبدا في محافظة جبل لبنان عام 1917. حصل على شهادة الأستاذية في الأدب العربي من الجامعة الأميركية ببيروت،‌ وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة باريس سنة 1950،‌ وصار بعد ذلك أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية. ومات في مسقط رأسه غيلة في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976.

مقابلة مع ابن كمال يوسف الحاج الذي يجمع تراث والده الفلسفي