يوسف بك كرم في المنفى ودور البطريرك الماروني بولس مسعد في ابعاد كرم عن لبنان

بقلم غسان مكاري
المرجعية: المؤرخ الأهدني سمعان الخازن

الجزء الأول

على أرصفة مرفأ بيروت وقف رفاق كرم يلوحون بمناديلهم ويحدقون بالدراعة المتجهة الى الإسكندرية والحاملة إلى الأبد زعيم لبنان الأوحد يوسف بك كرم.

كرم في مدينة الإسكندرية

وصل كرم إلى الإسكندرية في ٢ شباط ١٨٦٧، وقد علم بقدومه اللبنانيون المقيمون في المدينة فجاؤوا من مختلف الطوائف والطبقات إلى الدراعة بلباسهم الرسمية مهنئين بوصوله. وكانت تنتظر كرم وقائد الدراعة عربة أحد باشوات مصر تجرها أربعة جياد فركباها وسارت من ورائها عشرات العربات تشق شوارع المدينة المكتظة بالنظارة الى ان وصل الموكب الى كنيسة الموارنة لحضور القداس الالهي. ولدى خروج كرم من الكنيسة التفت الجماهير حوله لتشاهد بطل لبنان، وسمع البعض يقول: “هذا هو شريف لبنان وبطل الموارنة ومقاوم السلطة التركية”. وكان الإيطاليون يقولون : “هذا هو غاريبلدي Garibaldi لبنان لا بل أعظم منه..”. ثم توجه كرم إلى قنصلية فرنسا ومنها إلى دار السيد خليل فارس حيث أقيمت له مأدبة غذاء جلس عليها اعيان لبنان ونفر من الفرنسيين.

ومكث كرم في الإسكندرية ٨ ايام كان موضع حفاوة وتكريم من اللبنانيين والمصريين واعجابهم. وحضر قداسآ احتفاليآ أقيم في عيد ما مارون في ٩ شباط على نيته، ثم ودع أصدقائه في القنصلية الفرنسية الذين وضعوا بتصرفه باخرة “الميساجيري اميرال” الفرنسية لتنقله إلى مرسيليا.

كرم في مدينة مرسيليا

وصل كرم في ١٥ شباط إلى مرسيليا وكان بانتظاره وفد من الجالية اللبنانية, فتوجهوا إلى “فندق مرسيليا” الشهير. وبعد أن استراح من عناء السفر ذهب لزيارة الجنرال قائد الموقع ومحافظ المدينة ورئيس اساقفتها. وفي نهار الأحد ١٧ شباط ذهب إلى كنيسة العذراء ليسمع القداس الالهي فوجد لدى وصوله حوالي ٥ آلاف شخص جلهم من اللبنانيين والفرنسيين أتوا ليشاهدوا كرم ويقدموا له شعار اعجابهم…

وعند خروج كرم، احاط به الفرنسيون وهتفوا مرارآ قائلين: “ليعش كرم حامي نصارى لبنان”. وما ان صعد إلى العربة حتى تقدم منه نفر من الشيوخ الفرنسيين، “اصدقاء نصارى الشرق”، وكانت الدموع تترقرق في أعينهم. وكان قد خص الفرنسيون واللبنانيون كرم خلال اقامته في مرسيليا حفاوة لا مثيل لها. ونشرت الصحف الفرنسية المقالات الطوال عن بطل لبنان وعن ماضيه المجيد وإخلاصه لوطنه ووطنيته وبطولاته والانتصارات الباهرة التي احرزها ضد داوود باشا والعسكر التركي…

كرم في الجزائر

غادر كرم بعد ٤ ايام مرسيليا متوجهآ الى الجزائر، وعند وصوله في ٢١ شباط ١٨٦٧ اخذ له وحاشيته مسكنآ في احد اجمل احياء المدينة. ثم زار حاكم مدينة الجزائر المارشال ده مكماهون Mac Mahon ورجال الحكومة، وقد ابدى له جميعهم كل عطف واحترام.

وكتبت صحف الجزائر مقالات ممتعة عن بطل لبنان وحياته الحافلة بالمآثر الجليلة…

وكان الجنرال ديكرو, قائد الحملة العسكرية الفرنسية إلى لبنان في ١٨٦٠، وهو صديق كرم، قد راسل المارشال مكماهون يوصيه بكرم شارحآ له حب هذا الأخير لفرنسا ولوطنه لبنان وتدينه ووطنيته وشجاعته ومبادئه السامية الثابتة التي لم تعرف الوهن…

وحين عرف الآباء اليوسوعيين في الجزائر بوصول كرم عرضوا عليه الإقامة في احد اديرتهم. واثباتآ لعواطفهم النبيلة اغتنموا عيد مار يوسف البتول شفيع بطل لبنان في ١٩ آذار ١٨٦٧ فدعوه إلى ديرهم في بلدة “ابو فريق” للإحتفال بالعيد. لبى كرم الدعوة وذهب مع حاشيته وحضروا القداس الالهي في الدير. وبعدها أقام رئيس الدير مأدبة غذاء على شرف كرم حضرها اعيان البلدة…

Yousef Karam

وكان وكلاء املاك كرم في لبنان يرسلون إليه وهو في الجزائر مبالغ من المال ليقوم بنفقاته الكبيرة ونفقات حاشيته…

وكان قد صفا الجو لداوود باشا وقنصل فرنسا المسيو ديز يسار والبطريرك الماروني بولس مسعد بإبعاد بطل لبنان عن عرينه لبنان. الأول تخلص من ظل خصم قوي شديد المراس كادت بطولته تهدم صرح حكومته في بيت الدين وتلقي به بالخارج، الثاني تخلص من ظل رجل كان يقاوم نظامآ رضيت عنه الحكومة الفرنسية للبنان اعتقد ممثلها خطاء أن كرم كان يرمي الى نسف هذا النظام إرضاء للحكومة التركية وخدمة لمصالحها، والثالث تخلص من ظل زعيم ماروني شغف بوطنيته وإخلاصه اللبنانيين فتفادوا بسبيله وافدوا بالأرواح وأصبح مرجعهم الأوحد بعد ان كان رجال الدين وعلى رأسهم البطريرك قد سعوا لقتل روح الزعامة المدنية بالبلاد والاستئثار بالسلطتين الروحية والزمنية بعد ثورة الفلاحين في ١٨٥٩.

اغتنم داوود باشا تلك الفرصة للقضاء على روح المقاومة في لبنان وخنق النزعة الاستقلالية التي لم تخمد نارها في صدور اللبنانيين، وذلك باتخاذ إجراءات فورية قاسية بحق رفاق كرم، فاقصى عن الحكم كل من حبذ فكرة كرم وزج ببعضهم في السجن، وارهق البعض الآخر بالضرائب، وابقى المعتقلين من رفاق كرم في غياهب السجون، بالرغم من وعود القنصل الفرنسي التي قضت بالزام داوود باشا باطلاق سراحهم فورآ.

وعلم كرم وهو في الجزائر بأن داوود باشا يضطهد ويسيء معاملة رفاقه في لبنان، وبأنه وبالاتفاق مع القنصل الفرنسي ديز يسار يذيع الاخبار بأن الحكومة الفرنسية وضعته قيد التوقيف في الجزائر.

اذأ هذه الحالة المحزنة اطلع كرم الحكومة الفرنسية على ما كان يجري داوود باشا في لبنان، وعلى العهود التي قطعها قنصل فرنسا بإسم جلالة الإمبراطور نابوليون الثالث والتي عبث بها داوود. وبدلآ من أن تصغي وزارة الخارجية الفرنسية إلى أقوال كرم واحتجاجاته اجابته بالتهديد.

هنا تدخل المارشال الفرنسي مكماهون حاكم الجزائر فخفف من كدر كرم واحزانه ويأسه بما أبداه من العطف والإخلاص وعرض على كرم راتبآ كبيرآ يعطي له تعويضآ عن الأضرار التي نزلت به، فرفض كرم الراتب موضحآ للمارشال بأنه لم يأتي إلى الجزائر سعيآ وراء المال بل للمطالبة بالعدل والإنصاف، وأنه يقبل أن يزج به في غياهب السجون فيما لو رفض أولياء الأمر انصافه وايصاله إلى حقوقه التي وضعها تحت حماية فرنسا والدول الأوروبية.

وكانت قد وصلت تحارير إلى وزارة الخارجية الفرنسية تقول بأن كرم عاكس بوليتيك فرنسا في لبنان وأن حضوره لاجئآ إلى الجزائر كان لأجل صالحه.

وكان اصدقاء كرم الفرنسيين في باريس قاموا بحملة على وزارة الخارجية لمعاملة بطل لينان معاملة لا تليق بسمعتها وهو ضيف فرنسا في الجزائر، وأرسلوا إلى مجلس الشيوخ الفرنسي كتابإ يشرحون “الويلات التي نزلت بلبنان بناء لأوامر داوود باشا، وأن النساء أهينت حتى في قلب المعابد التي نهبت. فهل تظل فرنسا الكاثوليكية مكتوفة اليدين امام هذه الشدائد؟.. كرم اراد ضمانة من قنصل فرنسا كما اراد العدل وحرية الكلام من داوود باشا ولكن القنصل كان يرفض على الدوام هذه المطاليب رفضآ باتآ.. فيا العار لفرنسا وخجل الكثلكة برمتها! هل يعود بإمكاننا أن نثق بعدل حكومة تعين عمالآ مثل هذا النذل داوود؟”

وبدلآ أن يحتج البطريرك بولس مسعد على إجراءات داوود باشا القاسية بحق رفاق كرم وبحق اللبنانيين نواة الاستقلال، ويضع حدآ لإستبداد المتصرف، اغتنم غبطته صفاء الجو فوق الصرح البطريركي ليقوم مع مطارينه بجولة في ايطاليا وفرنسا وتركيا.

هل كان يرمي غبطته من زيارة فرنسا وتركيا الى اجتناء ثمار جهوده الجبارة ضد كرم خدمة لمصالح هاتين الدولتين في لبنان والحصول على اوسمتهما الرفيعة مكافاة لأعماله؟

وكان البطريرك مسعد قد غادر لبنان مع حاشيته في ٨ ايار ١٨٦٧ متوجهآ الى روما حيث مكث فيها حوالي الشهر التقى فيها قداسة الحبر الاعظم. ثم انتقل الى مرسيليا ومنها الى باريس حيث التقى جلالة الامبراطور نابوليون الثالث.

قال كرم في مذكراته للكنيسة المقدسة وفرنسا: “لما كان جلالة الإمبراطور يعلم علمآ يقينآ بالبسالة التي صمدت بها مع رفاقي لتلك الجيوش الجرارة، وأن الموارنة لم يفقدوا شهامة آبائهم، فقد دعا الامبراطور غبطته فورآ لمقابلته. وفي المقابلة شجع جلالته البطريرك على المطالبة بالتعديلات التي يراها غبطته ضرورية للبنان واعدآ بالمساعدة على تحقيقها. التمس البطريرك مسعد من جلالته مهلة للتبصر بهذا الأمر الخطير. فبدلآ من ان يغتنم غبطته استعدادات فرنسا الطيبة لخير لبنان العام، رفع كتابآ الى الامبراطور يلتمس فيه وسامآ له وحماية خاصة وللاكليروس الماروني. ولما رأى جلالته ما آلت إليه هذه النتيجة الغريبة أجابه بأن الوسام سيرسل إليه إلى لبنان ولا يعلق على صدره في باريس”.

وبعد أن أقام البطريرك مسعد مع حاشيته شهرآ كاملآ في باريس غادروها متوجهين إلى الاستانة، فوصلوها في أواخر آب ١٨٦٧. وكانت فرق الشاهاني مرابطة على رصيف المرفأ لتؤدي التحية لغبطته، ولدى خروجه كان هناك خمس عجلات تنتظر البطريرك وحاشيته لحملهم إلى المحل المعد لإقامتهم..

وفي ١١ ايلول التقى البطريرك السلطان عبد العزيز خان في سراي ظلمه بخشه، فأبدى السلطان نحو غبطته كامل الانس والملاطفة وأكرمه بنيشان المجيدية من الرتبة الأولى وهو كناية عن حجر ثمين مرصع بالماس سلمه اياه فؤاد باشا لدى وداعه اياه.

وهكذا شوهد غبطته في الاستانة والاوسمة العثمانية تتلالأ على صدره وصدر أفراد حاشيته، ورجع إلى لبنان حيث وضع نفسه تحت إرادة المتصرف داوود المطلقة أكثر من قبل.

وكان ان نشرت الحكومة الفرنسية كتابها الأصفر وفيه ما فيه من الوثائق والتقارير المغلوطة التي شوهت القضية اللبنانية وقضية كرم مع داوود باشا وقناصل الدول في لبنان. فأغتاظ كرم من ظهور هذا كتاب غيظآ شديدآ إذ رأى أن الحقائق تتغير وتتبدل وفقآ لما يطرأ على السياسة واهواء رجال الحكم.

وكان لمرافقي كرم رزق الله وعبد الأحد خضرا اخت تدعى اليصابات على جانب كبير من الجمال والثقافة العالية، وكانت تحب كرم حبآ شديدآ يقرب إلى العبادة، وتحلم بالاقتران به. ولكن كرم لم يكن يميل إلى النساء إذ أنه نذر نفسه للنسك والعفة وعاش حياة مسيحية قاسية لم يعشها الا النساك القديسون.

يقول المطران يوسف الدبس: “لقد تفرد كرم بحب الطهارة حتى يمكن أن يقال انه ما نظر في حياته كلها في وجه امرأة نظرآ يؤخذ عليه. وقد عاش مدة ٢٠ سنة في باريس ونابولي وغيرهما من مدن أوروبا والناس يتعجبون من فضيلته هذه، ورجال دين جعلوه مثالآ للطهارة وكانوا يحثون على الاقتداء به، واستمر بتولآ حتى وفاته”.

كرم في مدينة باريس

غادر كرم الجزائر إلى باريس في أواخر شباط ١٨٦٨ ومعه حاشيته المؤلفة من سكرتيره عبد الاحد خضرا ورجاله الثمانية الذين رافقوه من لبنان، ونزلوا في دار قريب من بلاط الإمبراطور نابوليون الثالث. وقابل كرم رجال الحكومة الفرنسية ما عدا وزير الخارجية المسيو دي كوستا الذي أظهر له العداء.

اقام جلالة الامبراطور حفل استقبال كبير لكرم دعا اليه رجال الحكومة والكنيسة وسفراء الدول الاوروبية، فأبدى له كل عطف واستقبله ببشاشة ومنحه مرتبآ ماليآ كبيرآ. وعلى الرغم من أن كرم كان أن أبدى للمارشال ماكماهون في الجزائر ومن اللبنانيين في الإسكندرية رفضه قبول كل مساعدة مالية، فقد قبل المرتب الذي عرضه الإمبراطور تأدبآ واحترامآ لرأس الأمة الفرنسية.

وكان وزير الخارجية الفرنسي يكن العداء لكرم بيد أنه كان سفيرآ لبلاده في الاستانة عندما تم تعيين داوود باشا متصرفآ على لبنان، واعتبر خطاء أن كرم شهر الحرب على داوود باشا لأن فرنسا لم تعينه حاكمآ على لبنان..

ولم يمض بضعة أيام على وجود كرم في باريس حتى أخذ أمر العداء يستفحل بين كرم ووزير الخارجية الفرنسية. واول عمل اتاه هذا الوزير أن أرسل نفرآ من رجال البوليس السري الفرنسي لمراقبة تحركات كرم والأشخاص الذين يترددون عليه. شعر كرم عندئذ بأن حريته في باريس اصبحت في خطر، فلم يشأ إطلاع جلالة الإمبراطور ولا اصدقائه الفرنسيين على هذه التدابير الشاذة بل أخذ يتجنب التردد عليهم تفاديآ من تكليفهم تخفيف وازالة ما قدر له من الخطوب.

في ٥ آذار ١٨٦٨ أرسل وزير الخارجية مسيو دي موستا Monsieur Di Mosta مدير وزارة الداخلية أوجيه لودين ليطلع كرم بصورة غير رسمية بأن الحكومة الفرنسية ترغب إليه في أن يترك باريس ويعود إلى الجزائر. فأجابه كرم بأنه اذا كانت الحكومة الفرنسية هي التي ترغب في ذلك فإنه مستعد لتلبية طلبها بعد ان يمر في طريق عودته إلى روما، اما اذا كان امراً من وزير الخارجية أصدره إليه فإنه يرفض اطاعة هذا الأمر وما عليه الا أن ينفذ امره بالقوة. وقد كلف كرم لودين ان يطلع الحكومة الفرنسية على جوابه هذا.

انقضى اسبوع على هذه الحادثة لم يشاهد كرم احداً من رجال الحكومة الفرنسية يحضر لمنزله. وعندما علم بأن حريته في باريس أضحت في خطر، وأن احسن وسيلة لصيانة شرف الضيافة الفرنسية أن يغادر فرنسا، فغادرها متوجهآ الى بروكسل.

يقول كرم في مذكراته: “…إذ انني خارج الأراضي الفرنسية يمكنني أن احتمل الشقاء والموت دون أن احمل تبعاتها الأمة الفرنسية التي تعلق بها شعبي منذ أجيال طويلة تعلقآ شديدآ! هكذا خلقنا الله نحن معشر الشرقيين وجعلنا نعتبر الضيافة شيئآ مقدسآ، لذلك اكون بمغادرتي باريس أديت خدمةً واحترامآ للأمة الفرنسية لصيانتي حكومتها من خرق ناموس الضيافة”.

ولما رأى كرم ان مدينة باريس لم تعد ملجأ امينآ له، غادرها سرآ متوجهآ الى بروكسل.

كرم في مدينة بروكسل

وصل كرم إلى مدينة بروكسل في ٢٢ آذار ١٨٦٨ تاركآ حاشيته في باريس التي أوصى بها أصدقائه الفرنسيين. قصد بروكسل لأنه كانت تربطه علاقات طيبة بجلالة الملك ليوبولد الثاني عاهل بلجيكا، الذي زار إهدن في ١٨٥٩ وكان موضع ضيافة كرم. اعتبر كرم ان وجوده بالقرب من جلالته يقيه شر المطاردة الفرنسية.

ونشرت جريدة L’indépendance Belge لكرم في ٢٥ آذار كتابآ رائعآ في البلاغة والجرأة يفند ما حصل معه مع وزير الخارجية الفرنسية، ننشر بعض المقاطع منه.

“…بمحاولتكم سلب حريتي في قلب باريس فقد أسأتم لا إلى يوسف كرم فحسب بل إلى الرجل الذي ما فتيء يطالب الإنصاف والعدل، إلى ذلك الذي استظل حماية الإمبراطور، الى ضيف فرنسا، إلى ذلك الذي ارتضى بأن يهجر وطنه نزولاً عند رغبتكم يوم كان النصر حليف له. اما انا فحسبي انني خدمت نفوذ فرنسا في الشرق ومصالحها كما خدمها أجدادي من قبلي، ويكفيني عزاء انني صادفت في فرنسا محبة الكثيرين وعطفهم عليي ورغبتهم الصادقة في أن يروا الحق والعدل سائدين في الشرق…”

وذكًر كرم الوزير بالمعارك التي دارت رحاها بينه وبين داوود باشا وفرار هذا الأخير من مركز حكومته في بيت الدين مع حاشيته عندما علم بزحف كرم الجريء عليه، وإلقاء نفسه بين أحضان قناصل الدول لحمايته، والتماس من قنصل فرنسا العام إيقاف زحف كرم ورجاله الأشاوس. وكم يأسف لأنه اوقف القتال، لأن داوود باشا بالرغم من امتلاكه كل الجيوش الجرارة بقيادة امين ودرويش باشا، لم يستطع النيل منه. فالذنب والعار يقعان على داوود باشا وليس عليه، وبأنه لا تؤلمه الشدائد وعدم فهم قضيته التي يدافع عنها بقدر ما يؤلمه رؤية وطنه يرزح تحت نير الطغيان.

كرم في مدينة لندن

التقى كرم في لندن رئيس وزراء انكلترا لورد ستانلي Lord Stanley الذي أقر له بعد ايام من مراجعته الوضع استحالة الحكومة البريطانية التدخل لأن نفوذها لا يشمل لبنان. وكأنه يقول له: تخلوا عن الحماية الفرنسية أو تحملوا سلوكها وأدائها.

كرم في مدينة برلين

من بروكسل انتقل كرم إلى برلين التقى خلالها المستشار الألماني اوتو فون بسمارك Besmark ، وقد أظهر له هذا الأخير كل الاهتمام بقضيته ما شجع كرم على المضي قدمآ محاولآ الانتقال الى سان بيتسبرغ San Petersburg لشرح قضيته أمام كل الدول الخمس الضامنة لبروتوكول ١٨٦١، حين وصل أحد اصدقائه ينذره من هذه الخطوة مؤكداً له ان صداقة الفرنسيين مع الموارنة لا يمكن أن تعتمد على صواب أو خطاء وزير، وإنه اذا قرر الانتقال إلى روسيا مروراً ببولونيا سوف يخسر فرنسا وشعبيته التي يحظى بها. عدل كرم عن قراره وتوجه إلى فيينا.

كرم في مدينة فيينا

وصل كرم إلى فيينا في أواخر نيسان ١٨٦٨ لزيارة رئيس أساقفة المدينة المونسنيور ميلسن Melsen، الذي زار لبنان في ١٨٤٨ ونزل ضيفآ كريمآ على كرم في اهدن. وبقي فيها حتى ١٢ تموز ١٨٦٨

كرم في مدينة روما

وصل كرم إلى روما في ١٣ تموز ١٨٦٨ وكان بانتظاره رؤساء مدرسة الموارنة ودير الرهبان الكهنة واللبنانيين المقيمين في المدينة. ونزل ضيفآ على دير الرهبان الحلبيين.

وبعد أن زار سفير فرنسا في روما الذي احسن ضيافته قصد الفاتيكان لمقابلة قداسة البابا بيوس التاسع Pieus 9 الذي استقبله بكل حنو ورفق واجلسه بالقرب منه، وكان حديثهما حول ما يدور وحول ما قاساه الاثنان من الشدائد واضطهادات…

وكان كرم في جميع هذه الزيارات مرتدياً البسته اللبنانية المزركشة بالذهب وسيفه الصقيل متدليآ على شماله…

وفي هذا الوقت حصلت حوادث خطيرة في لبنان زعزعت حكومة داوود باشا وألقت في صدره المخاوف والهواجس. ذلك أن اللبنانيين وعلى رأسهم الاهدنيين افاقوا بعد سباتهم العميق بعد ابعاد بطلهم الكرمي، فزال التهديد والوعيد، وعادت الجرأة إلى صدورهم، فبدأوا يناوؤن داوود باشا وتنادوا لمحاربة هذا الطاغية.

ولما لم يستطع المتصرف اسكان خواطر اللبنانيين ويخفف من نقمتهم عليه، اذاع في البلاد انه يبذل المساعي لدى الباب العالي لإعادة مدن بيروت وطرابلس وصيدا وقضائي حاصبيا وراشيا إلى لبنان.

بلغت هذه الأخبار مسامع فؤاد باشا، فخشي أن تحمل هذه الأخبار الشعب اللبناني على الالتجاء للدول الأوروبية للمطالبة بهذه المدن والمقاطعات التي سلخت عن لبنان ظلمآ، فاستدعى داوود باشا الى الاستانة وأمره بتقديم استقالته من حاكمية لبنان فقدمها فورآ.

وبعد استقالة داوود باشا اجتمع سفراء الدول الأوروبية في الاستانة وتم الاتفاق على تعيين فرانكو باشا متصرفآ جديدآ على لبنان.

يتبع…


غسان مكاري

Write what you think

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.