يوسف بك كرم في المنفى – تحديث رقم ٥

بقلم غسان مكاري
المرجعية: المؤرخ الأهدني سمعان الخازن

الجزء الأول – دور البطريرك الماروني بولس مسعد في ابعاد كرم عن لبنان

على أرصفة مرفأ بيروت وقف رفاق كرم يلوحون بمناديلهم ويحدقون بالدراعة المتجهة الى الإسكندرية والحاملة إلى الأبد زعيم لبنان الأوحد يوسف بك كرم.

كرم في مدينة الإسكندرية

وصل كرم إلى الإسكندرية في ٢ شباط ١٨٦٧، وقد علم بقدومه اللبنانيون المقيمون في المدينة فجاؤوا من مختلف الطوائف والطبقات إلى الدراعة بلباسهم الرسمية مهنئين بوصوله. وكانت تنتظر كرم وقائد الدراعة عربة أحد باشوات مصر تجرها أربعة جياد فركباها وسارت من ورائها عشرات العربات تشق شوارع المدينة المكتظة بالنظارة الى ان وصل الموكب الى كنيسة الموارنة لحضور القداس الالهي. ولدى خروج كرم من الكنيسة التفت الجماهير حوله لتشاهد بطل لبنان، وسمع البعض يقول: “هذا هو شريف لبنان وبطل الموارنة ومقاوم السلطة التركية”. وكان الإيطاليون يقولون : “هذا هو غاريبلدي Garibaldi لبنان لا بل أعظم منه..”. ثم توجه كرم إلى قنصلية فرنسا ومنها إلى دار السيد خليل فارس حيث أقيمت له مأدبة غذاء جلس عليها اعيان لبنان ونفر من الفرنسيين.

ومكث كرم في الإسكندرية ٨ ايام كان موضع حفاوة وتكريم من اللبنانيين والمصريين واعجابهم. وحضر قداسآ احتفاليآ أقيم في عيد ما مارون في ٩ شباط على نيته، ثم ودع أصدقائه في القنصلية الفرنسية الذين وضعوا بتصرفه باخرة “الميساجيري اميرال” الفرنسية لتنقله إلى مرسيليا.

كرم في مدينة مرسيليا

وصل كرم في ١٥ شباط إلى مرسيليا وكان بانتظاره وفد من الجالية اللبنانية, فتوجهوا إلى “فندق مرسيليا” الشهير. وبعد أن استراح من عناء السفر ذهب لزيارة الجنرال قائد الموقع ومحافظ المدينة ورئيس اساقفتها. وفي نهار الأحد ١٧ شباط ذهب إلى كنيسة العذراء ليسمع القداس الالهي فوجد لدى وصوله حوالي ٥ آلاف شخص جلهم من اللبنانيين والفرنسيين أتوا ليشاهدوا كرم ويقدموا له شعار اعجابهم…

وعند خروج كرم، احاط به الفرنسيون وهتفوا مرارآ قائلين: “ليعش كرم حامي نصارى لبنان”. وما ان صعد إلى العربة حتى تقدم منه نفر من الشيوخ الفرنسيين، “اصدقاء نصارى الشرق”، وكانت الدموع تترقرق في أعينهم. وكان قد خص الفرنسيون واللبنانيون كرم خلال اقامته في مرسيليا حفاوة لا مثيل لها. ونشرت الصحف الفرنسية المقالات الطوال عن بطل لبنان وعن ماضيه المجيد وإخلاصه لوطنه ووطنيته وبطولاته والانتصارات الباهرة التي احرزها ضد داوود باشا والعسكر التركي…

كرم في الجزائر

غادر كرم بعد ٤ ايام مرسيليا متوجهآ الى الجزائر، وعند وصوله في ٢١ شباط ١٨٦٧ اخذ له وحاشيته مسكنآ في احد اجمل احياء المدينة. ثم زار حاكم مدينة الجزائر المارشال ده مكماهون Mac Mahon ورجال الحكومة، وقد ابدى له جميعهم كل عطف واحترام.

وكتبت صحف الجزائر مقالات ممتعة عن بطل لبنان وحياته الحافلة بالمآثر الجليلة…

وكان الجنرال ديكرو, قائد الحملة العسكرية الفرنسية إلى لبنان في ١٨٦٠، وهو صديق كرم، قد راسل المارشال مكماهون يوصيه بكرم شارحآ له حب هذا الأخير لفرنسا ولوطنه لبنان وتدينه ووطنيته وشجاعته ومبادئه السامية الثابتة التي لم تعرف الوهن…

وحين عرف الآباء اليوسوعيين في الجزائر بوصول كرم عرضوا عليه الإقامة في احد اديرتهم. واثباتآ لعواطفهم النبيلة اغتنموا عيد مار يوسف البتول شفيع بطل لبنان في ١٩ آذار ١٨٦٧ فدعوه إلى ديرهم في بلدة “ابو فريق” للإحتفال بالعيد. لبى كرم الدعوة وذهب مع حاشيته وحضروا القداس الالهي في الدير. وبعدها أقام رئيس الدير مأدبة غذاء على شرف كرم حضرها اعيان البلدة…

وكان وكلاء املاك كرم في لبنان يرسلون إليه وهو في الجزائر مبالغ من المال ليقوم بنفقاته الكبيرة ونفقات حاشيته…

وكان قد صفا الجو لداوود باشا وقنصل فرنسا المسيو ديز يسار والبطريرك الماروني بولس مسعد بإبعاد بطل لبنان عن عرينه لبنان. الأول تخلص من ظل خصم قوي شديد المراس كادت بطولته تهدم صرح حكومته في بيت الدين وتلقي به بالخارج، الثاني تخلص من ظل رجل كان يقاوم نظامآ رضيت عنه الحكومة الفرنسية للبنان اعتقد ممثلها خطاء أن كرم كان يرمي الى نسف هذا النظام إرضاء للحكومة التركية وخدمة لمصالحها، والثالث تخلص من ظل زعيم ماروني شغف بوطنيته وإخلاصه اللبنانيين فتفادوا بسبيله وافدوا بالأرواح وأصبح مرجعهم الأوحد بعد ان كان رجال الدين وعلى رأسهم البطريرك قد سعوا لقتل روح الزعامة المدنية بالبلاد والاستئثار بالسلطتين الروحية والزمنية بعد ثورة الفلاحين في ١٨٥٩.

اغتنم داوود باشا تلك الفرصة للقضاء على روح المقاومة في لبنان وخنق النزعة الاستقلالية التي لم تخمد نارها في صدور اللبنانيين، وذلك باتخاذ إجراءات فورية قاسية بحق رفاق كرم، فاقصى عن الحكم كل من حبذ فكرة كرم وزج ببعضهم في السجن، وارهق البعض الآخر بالضرائب، وابقى المعتقلين من رفاق كرم في غياهب السجون، بالرغم من وعود القنصل الفرنسي التي قضت بالزام داوود باشا باطلاق سراحهم فورآ.

وعلم كرم وهو في الجزائر بأن داوود باشا يضطهد ويسيء معاملة رفاقه في لبنان، وبأنه وبالاتفاق مع القنصل الفرنسي ديز يسار يذيع الاخبار بأن الحكومة الفرنسية وضعته قيد التوقيف في الجزائر.

اذأ هذه الحالة المحزنة اطلع كرم الحكومة الفرنسية على ما كان يجري داوود باشا في لبنان، وعلى العهود التي قطعها قنصل فرنسا بإسم جلالة الإمبراطور نابوليون الثالث والتي عبث بها داوود. وبدلآ من أن تصغي وزارة الخارجية الفرنسية إلى أقوال كرم واحتجاجاته اجابته بالتهديد.

هنا تدخل المارشال الفرنسي مكماهون حاكم الجزائر فخفف من كدر كرم واحزانه ويأسه بما أبداه من العطف والإخلاص وعرض على كرم راتبآ كبيرآ يعطي له تعويضآ عن الأضرار التي نزلت به، فرفض كرم الراتب موضحآ للمارشال بأنه لم يأتي إلى الجزائر سعيآ وراء المال بل للمطالبة بالعدل والإنصاف، وأنه يقبل أن يزج به في غياهب السجون فيما لو رفض أولياء الأمر انصافه وايصاله إلى حقوقه التي وضعها تحت حماية فرنسا والدول الأوروبية.

وكانت قد وصلت تحارير إلى وزارة الخارجية الفرنسية تقول بأن كرم عاكس بوليتيك فرنسا في لبنان وأن حضوره لاجئآ إلى الجزائر كان لأجل صالحه.

وكان اصدقاء كرم الفرنسيين في باريس قاموا بحملة على وزارة الخارجية لمعاملة بطل لينان معاملة لا تليق بسمعتها وهو ضيف فرنسا في الجزائر، وأرسلوا إلى مجلس الشيوخ الفرنسي كتابإ يشرحون “الويلات التي نزلت بلبنان بناء لأوامر داوود باشا، وأن النساء أهينت حتى في قلب المعابد التي نهبت. فهل تظل فرنسا الكاثوليكية مكتوفة اليدين امام هذه الشدائد؟.. كرم اراد ضمانة من قنصل فرنسا كما اراد العدل وحرية الكلام من داوود باشا ولكن القنصل كان يرفض على الدوام هذه المطاليب رفضآ باتآ.. فيا العار لفرنسا وخجل الكثلكة برمتها! هل يعود بإمكاننا أن نثق بعدل حكومة تعين عمالآ مثل هذا النذل داوود؟”

وبدلآ أن يحتج البطريرك بولس مسعد على إجراءات داوود باشا القاسية بحق رفاق كرم وبحق اللبنانيين نواة الاستقلال، ويضع حدآ لإستبداد المتصرف، اغتنم غبطته صفاء الجو فوق الصرح البطريركي ليقوم مع مطارينه بجولة في ايطاليا وفرنسا وتركيا.

هل كان يرمي غبطته من زيارة فرنسا وتركيا الى اجتناء ثمار جهوده الجبارة ضد كرم خدمة لمصالح هاتين الدولتين في لبنان والحصول على اوسمتهما الرفيعة مكافاة لأعماله؟

وكان البطريرك مسعد قد غادر لبنان مع حاشيته في ٨ ايار ١٨٦٧ متوجهآ الى روما حيث مكث فيها حوالي الشهر التقى فيها قداسة الحبر الاعظم. ثم انتقل الى مرسيليا ومنها الى باريس حيث التقى جلالة الامبراطور نابوليون الثالث.

قال كرم في مذكراته للكنيسة المقدسة وفرنسا: “لما كان جلالة الإمبراطور يعلم علمآ يقينآ بالبسالة التي صمدت بها مع رفاقي لتلك الجيوش الجرارة، وأن الموارنة لم يفقدوا شهامة آبائهم، فقد دعا الامبراطور غبطته فورآ لمقابلته. وفي المقابلة شجع جلالته البطريرك على المطالبة بالتعديلات التي يراها غبطته ضرورية للبنان واعدآ بالمساعدة على تحقيقها. التمس البطريرك مسعد من جلالته مهلة للتبصر بهذا الأمر الخطير. فبدلآ من ان يغتنم غبطته استعدادات فرنسا الطيبة لخير لبنان العام، رفع كتابآ الى الامبراطور يلتمس فيه وسامآ له وحماية خاصة وللاكليروس الماروني. ولما رأى جلالته ما آلت إليه هذه النتيجة الغريبة أجابه بأن الوسام سيرسل إليه إلى لبنان ولا يعلق على صدره في باريس”.

وبعد أن أقام البطريرك مسعد مع حاشيته شهرآ كاملآ في باريس غادروها متوجهين إلى الاستانة، فوصلوها في أواخر آب ١٨٦٧. وكانت فرق الشاهاني مرابطة على رصيف المرفأ لتؤدي التحية لغبطته، ولدى خروجه كان هناك خمس عجلات تنتظر البطريرك وحاشيته لحملهم إلى المحل المعد لإقامتهم..

وفي ١١ ايلول التقى البطريرك السلطان عبد العزيز خان في سراي ظلمه بخشه، فأبدى السلطان نحو غبطته كامل الانس والملاطفة وأكرمه بنيشان المجيدية من الرتبة الأولى وهو كناية عن حجر ثمين مرصع بالماس سلمه اياه فؤاد باشا لدى وداعه اياه.

وهكذا شوهد غبطته في الاستانة والاوسمة العثمانية تتلالأ على صدره وصدر أفراد حاشيته، ورجع إلى لبنان حيث وضع نفسه تحت إرادة المتصرف داوود المطلقة أكثر من قبل.

وكان ان نشرت الحكومة الفرنسية كتابها الأصفر وفيه ما فيه من الوثائق والتقارير المغلوطة التي شوهت القضية اللبنانية وقضية كرم مع داوود باشا وقناصل الدول في لبنان. فأغتاظ كرم من ظهور هذا كتاب غيظآ شديدآ إذ رأى أن الحقائق تتغير وتتبدل وفقآ لما يطرأ على السياسة واهواء رجال الحكم.

وكان لمرافقي كرم رزق الله وعبد الأحد خضرا اخت تدعى اليصابات على جانب كبير من الجمال والثقافة العالية، وكانت تحب كرم حبآ شديدآ يقرب إلى العبادة، وتحلم بالاقتران به. ولكن كرم لم يكن يميل إلى النساء إذ أنه نذر نفسه للنسك والعفة وعاش حياة مسيحية قاسية لم يعشها الا النساك القديسون.

يقول المطران يوسف الدبس: “لقد تفرد كرم بحب الطهارة حتى يمكن أن يقال انه ما نظر في حياته كلها في وجه امرأة نظرآ يؤخذ عليه. وقد عاش مدة ٢٠ سنة في باريس ونابولي وغيرهما من مدن أوروبا والناس يتعجبون من فضيلته هذه، ورجال دين جعلوه مثالآ للطهارة وكانوا يحثون على الاقتداء به، واستمر بتولآ حتى وفاته”.

كرم في مدينة باريس

غادر كرم الجزائر إلى باريس في أواخر شباط ١٨٦٨ ومعه حاشيته المؤلفة من سكرتيره عبد الاحد خضرا ورجاله الثمانية الذين رافقوه من لبنان، ونزلوا في دار قريب من بلاط الإمبراطور نابوليون الثالث. وقابل كرم رجال الحكومة الفرنسية ما عدا وزير الخارجية المسيو دي كوستا الذي أظهر له العداء.

اقام جلالة الامبراطور حفل استقبال كبير لكرم دعا اليه رجال الحكومة والكنيسة وسفراء الدول الاوروبية، فأبدى له كل عطف واستقبله ببشاشة ومنحه مرتبآ ماليآ كبيرآ. وعلى الرغم من أن كرم كان أن أبدى للمارشال ماكماهون في الجزائر ومن اللبنانيين في الإسكندرية رفضه قبول كل مساعدة مالية، فقد قبل المرتب الذي عرضه الإمبراطور تأدبآ واحترامآ لرأس الأمة الفرنسية.

وكان وزير الخارجية الفرنسي يكن العداء لكرم بيد أنه كان سفيرآ لبلاده في الاستانة عندما تم تعيين داوود باشا متصرفآ على لبنان، واعتبر خطاء أن كرم شهر الحرب على داوود باشا لأن فرنسا لم تعينه حاكمآ على لبنان..

ولم يمض بضعة أيام على وجود كرم في باريس حتى أخذ أمر العداء يستفحل بين كرم ووزير الخارجية الفرنسية. واول عمل اتاه هذا الوزير أن أرسل نفرآ من رجال البوليس السري الفرنسي لمراقبة تحركات كرم والأشخاص الذين يترددون عليه. شعر كرم عندئذ بأن حريته في باريس اصبحت في خطر، فلم يشأ إطلاع جلالة الإمبراطور ولا اصدقائه الفرنسيين على هذه التدابير الشاذة بل أخذ يتجنب التردد عليهم تفاديآ من تكليفهم تخفيف وازالة ما قدر له من الخطوب.

في ٥ آذار ١٨٦٨ أرسل وزير الخارجية مسيو دي موستا Monsieur Di Mosta مدير وزارة الداخلية أوجيه لودين ليطلع كرم بصورة غير رسمية بأن الحكومة الفرنسية ترغب إليه في أن يترك باريس ويعود إلى الجزائر. فأجابه كرم بأنه اذا كانت الحكومة الفرنسية هي التي ترغب في ذلك فإنه مستعد لتلبية طلبها بعد ان يمر في طريق عودته إلى روما، اما اذا كان امراً من وزير الخارجية أصدره إليه فإنه يرفض اطاعة هذا الأمر وما عليه الا أن ينفذ امره بالقوة. وقد كلف كرم لودين ان يطلع الحكومة الفرنسية على جوابه هذا.

انقضى اسبوع على هذه الحادثة لم يشاهد كرم احداً من رجال الحكومة الفرنسية يحضر لمنزله. وعندما علم بأن حريته في باريس أضحت في خطر، وأن احسن وسيلة لصيانة شرف الضيافة الفرنسية أن يغادر فرنسا، فغادرها متوجهآ الى بروكسل.

يقول كرم في مذكراته: “…إذ انني خارج الأراضي الفرنسية يمكنني أن احتمل الشقاء والموت دون أن احمل تبعاتها الأمة الفرنسية التي تعلق بها شعبي منذ أجيال طويلة تعلقآ شديدآ! هكذا خلقنا الله نحن معشر الشرقيين وجعلنا نعتبر الضيافة شيئآ مقدسآ، لذلك اكون بمغادرتي باريس أديت خدمةً واحترامآ للأمة الفرنسية لصيانتي حكومتها من خرق ناموس الضيافة”.

ولما رأى كرم ان مدينة باريس لم تعد ملجأ امينآ له، غادرها سرآ متوجهآ الى بروكسل.

كرم في مدينة بروكسل

وصل كرم إلى مدينة بروكسل في ٢٢ آذار ١٨٦٨ تاركآ حاشيته في باريس التي أوصى بها أصدقائه الفرنسيين. قصد بروكسل لأنه كانت تربطه علاقات طيبة بجلالة الملك ليوبولد الثاني عاهل بلجيكا، الذي زار إهدن في ١٨٥٩ وكان موضع ضيافة كرم. اعتبر كرم ان وجوده بالقرب من جلالته يقيه شر المطاردة الفرنسية.

ونشرت جريدة L’indépendance Belge لكرم في ٢٥ آذار كتابآ رائعآ في البلاغة والجرأة يفند ما حصل معه مع وزير الخارجية الفرنسية، ننشر بعض المقاطع منه.

“…بمحاولتكم سلب حريتي في قلب باريس فقد أسأتم لا إلى يوسف كرم فحسب بل إلى الرجل الذي ما فتيء يطالب الإنصاف والعدل، إلى ذلك الذي استظل حماية الإمبراطور، الى ضيف فرنسا، إلى ذلك الذي ارتضى بأن يهجر وطنه نزولاً عند رغبتكم يوم كان النصر حليف له. اما انا فحسبي انني خدمت نفوذ فرنسا في الشرق ومصالحها كما خدمها أجدادي من قبلي، ويكفيني عزاء انني صادفت في فرنسا محبة الكثيرين وعطفهم عليي ورغبتهم الصادقة في أن يروا الحق والعدل سائدين في الشرق…”

وذكًر كرم الوزير بالمعارك التي دارت رحاها بينه وبين داوود باشا وفرار هذا الأخير من مركز حكومته في بيت الدين مع حاشيته عندما علم بزحف كرم الجريء عليه، وإلقاء نفسه بين أحضان قناصل الدول لحمايته، والتماس من قنصل فرنسا العام إيقاف زحف كرم ورجاله الأشاوس. وكم يأسف لأنه اوقف القتال، لأن داوود باشا بالرغم من امتلاكه كل الجيوش الجرارة بقيادة امين ودرويش باشا، لم يستطع النيل منه. فالذنب والعار يقعان على داوود باشا وليس عليه، وبأنه لا تؤلمه الشدائد وعدم فهم قضيته التي يدافع عنها بقدر ما يؤلمه رؤية وطنه يرزح تحت نير الطغيان.

كرم في مدينة لندن

التقى كرم في لندن رئيس وزراء انكلترا لورد ستانلي Lord Stanley الذي أقر له بعد ايام من مراجعته الوضع استحالة الحكومة البريطانية التدخل لأن نفوذها لا يشمل لبنان. وكأنه يقول له: تخلوا عن الحماية الفرنسية أو تحملوا سلوكها وأدائها.

كرم في مدينة برلين

من بروكسل انتقل كرم إلى برلين التقى خلالها المستشار الألماني اوتو فون بسمارك Besmark ، وقد أظهر له هذا الأخير كل الاهتمام بقضيته ما شجع كرم على المضي قدمآ محاولآ الانتقال الى سان بيتسبرغ San Petersburg لشرح قضيته أمام كل الدول الخمس الضامنة لبروتوكول ١٨٦١، حين وصل أحد اصدقائه ينذره من هذه الخطوة مؤكداً له ان صداقة الفرنسيين مع الموارنة لا يمكن أن تعتمد على صواب أو خطاء وزير، وإنه اذا قرر الانتقال إلى روسيا مروراً ببولونيا سوف يخسر فرنسا وشعبيته التي يحظى بها. عدل كرم عن قراره وتوجه إلى فيينا.

كرم في مدينة فيينا

وصل كرم إلى فيينا في أواخر نيسان ١٨٦٨ لزيارة رئيس أساقفة المدينة المونسنيور ميلسن Melsen، الذي زار لبنان في ١٨٤٨ ونزل ضيفآ كريمآ على كرم في اهدن. وبقي فيها حتى ١٢ تموز ١٨٦٨

كرم في مدينة روما

وصل كرم إلى روما في ١٣ تموز ١٨٦٨ وكان بانتظاره رؤساء مدرسة الموارنة ودير الرهبان الكهنة واللبنانيين المقيمين في المدينة. ونزل ضيفآ على دير الرهبان الحلبيين.

وبعد أن زار سفير فرنسا في روما الذي احسن ضيافته قصد الفاتيكان لمقابلة قداسة البابا بيوس التاسع Pieus 9 الذي استقبله بكل حنو ورفق واجلسه بالقرب منه، وكان حديثهما حول ما يدور وحول ما قاساه الاثنان من الشدائد واضطهادات…

وكان كرم في جميع هذه الزيارات مرتدياً البسته اللبنانية المزركشة بالذهب وسيفه الصقيل متدليآ على شماله…

وفي هذا الوقت حصلت حوادث خطيرة في لبنان زعزعت حكومة داوود باشا وألقت في صدره المخاوف والهواجس. ذلك أن اللبنانيين وعلى رأسهم الاهدنيين افاقوا بعد سباتهم العميق بعد ابعاد بطلهم الكرمي، فزال التهديد والوعيد، وعادت الجرأة إلى صدورهم، فبدأوا يناوؤن داوود باشا وتنادوا لمحاربة هذا الطاغية.

ولما لم يستطع المتصرف اسكان خواطر اللبنانيين ويخفف من نقمتهم عليه، اذاع في البلاد انه يبذل المساعي لدى الباب العالي لإعادة مدن بيروت وطرابلس وصيدا وقضائي حاصبيا وراشيا إلى لبنان.

بلغت هذه الأخبار مسامع فؤاد باشا، فخشي أن تحمل هذه الأخبار الشعب اللبناني على الالتجاء للدول الأوروبية للمطالبة بهذه المدن والمقاطعات التي سلخت عن لبنان ظلمآ، فاستدعى داوود باشا الى الاستانة وأمره بتقديم استقالته من حاكمية لبنان فقدمها فورآ.

وبعد استقالة داوود باشا اجتمع سفراء الدول الأوروبية في الاستانة وتم الاتفاق على تعيين فرانكو باشا متصرفآ جديدآ على لبنان.


الجزء الثاني – الحملة العسكرية

تم تعيين فرانكو باشا متصرفآ جديدآ للبنان في ١٥ تموز ١٨٦٨ خلفآ لداوود باشا، وكان صديقاً حميماً ليوسف بك كرم. وقد نشأت هذه الصداقة يوم رافق فرانكو وزير الخارجية فؤاد باشا في زيارته لبنان اثر حوادث ١٨٦٠، إذ كان سكريترآ للوفد التركي.

وما ان علم كرم بتعيين صديقه فرانكو باشا متصرفآ على لبنان حتى اهتزت جوارحه غبطة، اعتقادآ منه أن فرانكو لن يتقاعس عن درس قضيته وانصافه، مما يسهل عودته إلى لبنان. فكتب لصديقه المطران يوسف الدبس يكلفه بتقديم التهاني باسمه للمتصرف الجديد، مؤكدآ له انه اذا احب فرانكو باشا أن يحل قضية كرم حلآ عادلآ ويسهل له عودته إلى لبنان فآنه أي كرم يقوم بكل ما يفرضه واجبه الوطني تأييد الشرائع والنظام والخضوع لكل سلطة شرعية عادلة.

اضمحلت الآمال التي عقدها كرم على صداقة “فرانكو افندي” وزالت من الوجود لأن هذا الأخير لم يعد الرجل المتدين العادل الذي كان كرم يرتاح لمحادثته والاجتماع به في الاستانة، يوم ابعد كرم لثلاث سنوات في ١٨٦١، بل أصبح “فرانكو متصرف لبنان والحاكم بأمره”…

بقي كرم حوالي السنة تقريبآ في روما بناء على إلحاح أصدقائه آملإ منهم بأن المفاوضات الجارية بين باريس والباب العالي بشأن انصافه وعودته الى لبنان ستقترن بنتائج مرضية. ولكن هذه الآمال قد خابت، فعقد كرم النية على دخول لبنان على رأس حملة عسكرية وقلب الحكم بالقوة. فتعرف على شخصيات بارزة من اليونانيين والايطاليين وفاوضهم بشأن تجهيز حملة عسكرية على لبنان، ووضعت اسس هذه الحملة على ان تنفذ بنودها في اليونان والانطلاق الى لبنان من جزيرة كورفو التابعة لها.

غادر كرم روما في ٢٣ ايلول ١٨٦٩ قاصدآ جزيرة كورفو. ولم يمض القليل على وجوده حتى بلغه خبر وفاة خصمه اللدود داوود باشا في اوروبا.

وكان ان قضى داوود مدة في الاستانة منزويآ في منزله نادبآ بمرارة ما اوصله اليه غروره من خيبة آمال ومن سخط الباب العالي عليه، متذكرآ العز والجاه والسلطة المطلقة والنفوذ والعظمة التي رافقته في لبنان طيلة ٧ اعوام، لا يرد له مطلب، يأتمر الأعيان والجنود بأمره…

وكان الباب العالي يفتش على شخصية تحسن اللغات الأوروبية لعقد قرض مالي كبير مع الدول الأوروبية، فإنتدب فؤاد باشا صديقه القديم داوود لإجراء هذه المهمة.

ذهب داوود باشا الى أوروبا، وبينما كان يجري معاملات هذا القرض اتهمه خصومه بتقاضي رشوة في عقد القرض، فأوجس داوود خيفة من خصومه ولم يجرؤ على العودة إلى الاستانة خشية من إعدامه. وظل يتقلب على فراش الحزن ووخز الضمير في بلاد الغربة طيلة سنة إلى أن وافاه الأجل المحتوم في ١٨٦٩، فقضى نحبه بعيدآ عن أهله ومحبيه.

أن العدالة الالهية شاءت أن تنزل القصاص بذلك الذي استعمل كل ما لديه من ذكاء ومكر ودهاء للقضاء على يوسف كرم والصاق به التهم الباطلة…

عكف كرم على تهيئة الحملة العسكرية على لبنان لدك اسس نظامه الفاسدة، فإتصل ببعض النافذين اليونانيين من قواد الجيوش البرية والبحرية. وتألفت لجنة تعهد أعضاؤها بالحصول على قرض من المال، بعد ان عرض كرم عليهم رهن املاكه في لبنان لتمويل الحملة، وبتهيئة الذخائر والمعدات اللازمة وجمع المتطوعين من اليونان والبانيا وتجهيزهم بالأسلحة والالبسة الحربية.

ولما كان جنود هذه الحملة يجهلون طبيعة الأراضي اللبنانية، فقد طُلب من كرم استقدام من لبنان نفرآ من رجاله الخبيرين بالأرض فينتظروا الحملة في مصر، على ان يسيروا أمامهم ككشافة.

فكتب كرم في اواخر ١٨٦٩ إلى صديقه المطران دبس ليهتم مع الشيخ يواكيم باخوس من غزير لإرسال ٢٥ نفرآ من رجاله البواسل إلى الإسكندرية بأسرع وقت ممكن. فجمعوا سرآ الرجال وأقاموا بطرس نمنوم رئيسآ على المتطوعين الاهدنيين، وسليم ابو شبل البشراني على المتطوعين من الجبة، وسمعان عقل الكسرواني على المتطوعين من كسروان. جأ هؤلأ الى الاسكندرية وكان بانتظارهم الخوري الماروني بطرس المكرزل المقيم في الإسكندرية، وأقاموا شهرين بانتظار مجيء الحملة العسكرية.

وكان ان حضر إلى الإسكندرية من لبنان الخوري مخائيل رحمة من بشري، وما ان علم بوجود هؤلآ الرجال في الإسكندرية أخذ يحضهم بالعودة الى لبنان وهددهم بأن يوشي بهم الى السلطات المصرية. ولما رأى الخوري مكرزل في موقف رحمة الغريب وتشبثه برحيل رجال كرم، وخوفآ من الوشاية، وراحة لضميره، أقنع رجال كرم بالعودة إلى لبنان.

منيت الحملة العسكرية التي شغلت كرم مدة سنتين تقريبآ بالفشل بعد ان بذلت جهودآ جبارة لتحقيقها للأسباب التالية:
١- لم يجد أعضاء اللجنة المال اللازم لسد نفقات الجيش، كما لم يجدوا عددآ كافيآ من المتطوعين الأجانب لرفضهم القتال في بلاد بعيدة.
٢- الانكسار الفظيع الذي منيت به فرنسا في حربها مع المانيا في ١٨٧٠ جعل كرم يؤجل الحملة العسكرية.
٣- علمت الدولة العثمانية بالحملة فبثت العيون والارصاد واصدرت الاوامر بمراقبة الشواطيء اللبنانية.

عاد كرم إلى روما في أوائل ١٨٧١ واستدعى من لبنان ابن اخيه بطرس مخائيل كرم ليقوم باسمه ببعض المهام في الاستانة وباريس ويساعده في تنظيم التقارير باللغة الفرنسية.

في تلك الأثناء كانت قد انهارت الإمبراطورية الفرنسية وقامت على انقاضها حكومة جمهورية برئاسة المسيو تيير فرفع كرم إلى رئيسها تقريرآ عرض فيه المظالم التي لحقت به ورغبته في العودة إلى وطنه…

لم تخب آمال كرم هذه المرة، فبعد أن اطلعت حكومة فرنسا الجديدة على تقرير كرم، اوعزت إلى سفيرها في الاستانة أن يهتم بقضية كرم كي ينال حقوقه. وقد اطلع السفير بدوره الباب العالي على طلب كرم.

لم تمانع الحكومة التركية طلب كرم ولكنها اخضعت قضيته إلى غبطة البطريرك الماروني بولس مسعد والاستماع إلى رأيه في هذا الصدد. بدوره اوعز السفير الفرنسي في الاستانة الى القنصل العام الفرنسي في بيروت أن يذهب إلى البطريرك الماروني ويأخذ برأيه بشأن عودة كرم. التقى القنصل البطريرك الذي اجابه بأن عودة كرم إلى لبنان غير مناسبة ومن شأنها أن تثير حوادث واضطرابات في البلاد.

كان يوسف كرم يناضل دوماً في سبيل تأييد
فصل السلطتين الروحية والزمنية

يقول كرم في هذا الصدد: “ان يقول غبطة البطريرك بأن عودتي غير مناسبة فهذا الجواب مفعوله كمفعول حكم صدر بحقي، ومن حقي أن التمس من الكرسي الرسولي ان يتنازل ويطلب الى غبطته ان يبين حيثيات حكمه والأدلة والوقائع التي بنى عليها حكمه المذكور، او ان يرجع عن هذا الحكم بعد ان يدفع لي التعويض عن الاضرار التي لحقت بي بسببه.
زعم غبطته بأن رجوعي إلى لبنان من دون موافقة المتصرف قد تثير اضطرابات في البلاد، فزعمه هذا هو الذي يثير وحده الاضطرابات في لبنان ويشجع المتصرف على خرق الشرائع الإلهية والبشرية وارتكاب المظالم والنكبات… فليتفضل البطريرك ويعلمنا عن اية شريعة او قانون بنى حكمه القاضي علي ان اعيش بعيدآ عن وطني لبنان وان اترك وطني فريسة لأهواء المتصرف؟ فاذا كانت شريعة القوة يلذ احيانآ للفاتحين استعمالها فإن شريعة الإبهام لم يلذ لأحد استعمالها. واذا كان السفير الفرنسي طلب رأي البطريرك بشأن عودتي إلى لبنان، فلإعتقاده انه يجد بشخص غبطته ذلك الحاكم العادل. واذا كانت فرنسا قد احترمت حتى ذلك التاريخ الاحكام التي كان يصدرها هذا الحبر بشؤون الموارنة فأنها كانت تعتقد فيه الغيرة وسداد الرأي. واذا كانت المظالم قد تكاثر عددها في لبنان، فلأن أسبابها كانت تصدر عن تصريحات وآراء البطريرك مسعد المغلوطة الجائرة”.

لم تكن ترضى فرنسا، بالرغم من استعداداتها الطيبة، ومجاملة للباب العالي، بعودة كرم إلى لبنان من دون موافقة الحكومة التركية، خوفآ من تسبب هذه العودة اضطرابات في لبنان. كذلك تركيا، مجاملة للحكومة الفرنسية، لا تعارض مبدئيآ عودة كرم الى لبنان بعد ان تخضع موافقتها للحكومة الفرنسية وبعد أخذ موافقة البطريرك مسعد. وهكذا كانت تركيا تريد أن تبرهن من جهة لفرنسا عن نواياها الشريفة نحو كرم وحبها للسلام، ومن جهة أخرى تتمسك برأيي البطريرك الماروني قبل الموافقة على عودة كرم إلى لبنان. واذا كانت تركيا قد علقت اهمية كبرى على رضى البطريرك ام عدمه بشأن عودة كرم إلى وطنه، فلأنها كانت تعلم نوايا غبطته واستعداداته العدائية نحو كرم. ولولا ذلك لما كانت اخضعت قضية عودة كرم لرأي البطريرك الماروني.

كان يوسف كرم يناضل دومآ في سبيل تأييد فصل السلطتين الروحية والزمنية، ويقول أن البطريرك الماروني، بصفته رأس الكنيسة المارونية، يجب الا يهتم الا بالشؤون الكنسية، وأنه في هذه الصلاحية فقط يبقى صاحب السلطة والمقام الرفيع وعلى الجميع أن يؤدوا له الاحترام والطاعة. بيد أن الأصول المتبعة في البلاد الأوروبية وغيرها، تلك الأصول التي وضعت اسسها الشعوب الراقية على إثر الأضرار والهفوات التي ارتكبها رجال الاكليروس بسبب مداخلاتهم بالسياسة والقضايا الزمنية، يمنع على البطريرك أن يحتكر بيده السلطة الزمنية علاوة على احتكار السلطة الروحية، وأنه اذا احوجته الضرورة يومآ أن يتدخل في الشؤون السياسية التي تتوقف عليها مصالح البلاد والأمة، وجب عليه قبل الادلأ برأيه فيها أن يتداول مع اعيان البلاد وقادة افكارها ويطلع على آرائهم بشأنها، ومن ثم يجري ما اتفقت عليه هذه الآراء، لأنه من الحيف أن تبقى هكذا قضايا خطيرة يتلاعب بقدراتها وبمقدرات امة كبيرة رجل واحد معرض للخطأ والهفوات نظير كل إنسان يتفرد بفصل القضايا العامة حسب ميوله واهوائه.

Yousef Karam

ازاء المعاكسات التي صادفها كرم بشأن عودته إلى لبنان، اطلع السفير الفرنسي في الاستانة يوسف كرم على نتيجة طلبه بالعودة إلى لبنان، وافهمه بأنه يستطيع اذا شاء الذهاب إلى قبرص والإقامة فيها. ولكن كرم رفض هذا العرض مفضلآ البقاء في روما.

أثار اخفاق مساعي كرم للعودة إلى لبنان غضبآ ومرارة في فؤاده، ومن يتصفح رسائله في تلك الحقبة يشعر بالألم الذي كان يحز فؤاده حزآ.

يقول كرم في إحدى رسائله إلى المطران يوسف الدبس: …”نوهتم لي ابوتكم أن عودتي إلى لبنان دون إذن الحكومة التركية يجعلني أن اجد الاكليروس ضدي… فإني بينما قد اتخذت المسؤولية على عاتقي وعاتق من يريد أن يرافقني من أي بلد أو مذهب كان، وضحيت في سبيل ذلك مصالحي الشخصية، فعملي هذا يفتح أمام غبطة البطريرك بابآ واسعآ لإنهاض شرفه الذاتي وتوطيد خير الموارنة الذين بصفتهم ٣/٤ سكان جبل لبنان، يمكنهم مع غبطته الا يقبلوا حاكمآ على لبنان الا من ينتخبه غبطته. فاذا كان سعيي هذا الذي تقع نتائجه الخطيرة عليي وتعود منافعه الكثيرة الى غيري هو مرزول ولا يستحق التقدير العالي، فالاكليروس هو معدن التسامح، ونحن جميعآ قادمون بسرعة إلى اليوم الأخير. ويا حبذا لو عرف الاكليروس كيف يجني ثمار جهادي بخدمة حق الله وعباده!…”

ولما لم يحصل كرم على محاكمة قانونية ولا على إجازة رسمية تخوله العودة إلى لبنان، عكف على تنظيم مذكرة طويلة عرض فيها قضيته الواضحة وقضية ابناء وطنه وحالتهم المؤسفة وامتيازاتهم التي فقدوها، والاستبداد والمظالم التي حلت بهم، وما آلت إليه حالته من جراء التماهي من داوود باشا متصرف لبنان حفظ الشرائع والدستور، والخلاف والمعارك الدامية التي نشبت بينه وبين جيوش داوود، وما جرًت هذه المعارك من دمار، وكيف أن كرم حارب الاستبداد، والظفر الذي ناله على جيوش تركيا، ومغادرته لبنان وأقامته في الجزائر وعواصم أوروبا، وما جرى له من جميل وقبيح.

نشر كرم هذه المذكرة باللغة الفرنسية في تشرين الأول ١٨٧١ بعنوان: “مذكرة من يوسف كرم إلى حكومات اوروبا وشعوبها” طبعها في باريس وهي تقع في ٥١ صفحة بحجم كبير. وقد أرسل كرم نسخآ منها إلى ملوك دول أوروبا ورؤساء جمهورياتها وحكوماتها ووزرائها والفاتيكان والاساقفة والكتبة واصحاب الصحف واصدقائه في لبنان والخارج. وقد احدث نشر هذه المذكرة دويآ هائلآ في الأوساط السياسية الأوروبية وفي لبنان، إذ ان ما تضمنته المذكرة من حقائق راهنة قد مزق الستار واظهر للعيان شقاء اللبنانيين وضياع استقلالهم، واعمال متصرفي لبنان الاستبدادية والسياسة الغاشمة التي سار عليها بعض قناصل الدول الاوروبية في لبنان…

وكان المطران الدبس، صديق كرم الحميم، اطلع البيك على التأثير السيء الذي صادفته مذكرته في الاوساط السياسية في لبنان والبطريركية المارونية والقاصد الرسولي والقنصل العام الفرنسي، وأبدى الحبر الجليل لكرم مخاوفه الناجمة عن هذا التأثير والتي قد تضر بكرم وتؤخر عودته إلى لبنان.

يقول المطران الدبس في رسالته إلى كرم: …”اغتنم أرباب المفاسد ما حررتموه في مذكرتكم عن القاصد الرسولي وقنصل فرنسا ليرموكم بالمطاعن والعمل لقطع رجائنا من مشاهدتكم في لبنان.
كنا نفضل أن تقبلوا كل ما ترغبه الحكومة من الشروط لعودتكم التي طال امدها، بدلآ من تناقشوها الحساب وتبينوا اغلاطها. والذي أفعم فؤادنا حزنآ أن ابناء الوطن لا يقدرون اتعابكم وتضحياتكم المتواصلة في سبيل الدفاع عن مصالحهم لأنهم في فتور كبير ولا احد يدرك ما تشعرون به!”.

اجاب كرم صديقه:.. “كيف لحاكم لبنان ان يتصرف بنا كيفما شاء دون أن يقف على الحدود القانونية المرسومة. فهل أن العبودية السودانية هي غير ذلك؟ لو كنت في لبنان لاظهرت له حال وجود هكذا حالة. فكيف يمكنني إذآ أن اعود إليه مسلمآ عنقي لهذه العبودية؟… غاية الرجاء أن لا تضيعوا مرتبة الصبر والثبات المختصة بشخصكم وأن تفضلوا معي موتي في الغربة على تعبدي للأميال البشرية التي هي الموت الأدبي…”

في تلك الآونة توفي المتصرف فرانكو باشا بعد ان قضى في الحكم ٤ سنوات ونصف، فتم تعيين رستم باشا خلفآ له في ٢٢ نيسان ١٨٧٣.

الجزء الثالث – تأليف المجلس الطائفي الماروني

“هل يباح للظالم أن يسلب أمنية العباد ولا يباح لأبناء لبنان ان يطلبوا حفظ شريعة وترتيبات وطنهم؟
إن الحاكم الذي يتجاسر أن يقول: “انا ربكم فإعبدوني” وهل نحن المؤمنين بالله نتخذ لنا حيوانآ ناطقآ فنعبده طمعآ بالسلامة الغشاشة؟ لا لعمري!”. من رسالة يوسف كرم إلى ابناء بلده

توفي المتصرف فرانكو باشا في ١١ شباط ١٨٧٣ وتم تعيين رستم باشا خلفآ له في ٢٢ نيسان ١٨٧٣.
في تلك الأثناء ارسل يوسف بك ابن اخيه بطرس إلى الاستانة لاستقصاء الأخبار ومعرفة شخصية المتصرف الجديد على لبنان الذي سيتم الاتفاق عليه، ولكي يطلعه على ما يجري في السياسة هناك.

وصل بطرس بك الاستانة في ١٩ شباط ١٨٧٣ والتقى المتصرف الجديد رستم باشا الذي وعده بمعالجة وضع عمه يوسف بك فور وصوله إلى لبنان. كذلك التقى جميل باشا صديق يوسف بك الذي كان قد حل ضيفآ علىيه في صيف ١٨٦١ في اهدن مع وزير الخارجية آنذاك فؤاد باشا. وقد حفظ جميل باشا ذكرى طيبة لهذه الزيارة وظل صديقآ حميمآ لكرم ومن اشد المساعدين له في قضيته.

وقابل بطرس بك وزير النافعة راشد باشا، ورأى عنده صورة عمه يوسف بك. وسأله الوزير لماذا لا يحضر عمك إلى الاستانة؟. فأجابه ان عمه يطلب رخصة حضور، ولا يظن أن ذلك عسيرآ اذا طلبها الوزير بذاته من الحكومة… وكان له ما أراد.

كذلك قابل بطرس بك السفير الفرنسي في الاستانة الذي كان عازم على مرافقة المتصرف رستم باشا إلى لبنان، وطلب منه هم سعادته لإرجاع يوسف بك إلى لبنان. وإذ ذكره بأن الفرنسيين ملزمين به لأنه سلم سيفه لهم وليس إلى التركي.

وبناء على ما كتبه بطرس بك إلى عمه يوسف بك بشأن حضوره إلى الاستانة، وعلى نوايا اصدقاء يوسف بك الأقوياء في العاصمة التركية والحاحهم عليه بالحضور اليها، حرر يوسف بك إلى السفير التركي في روما كتابآ يطلب فيه رخصة للحضور إلى الاستانة. اعطى السفير موافقته بعد ان وضع بعض الشروط على كرم مع حفظ حريته للتنقل اينما اراد ما عدا سوريا ولبنان.

رغمآ عن استعداداته الطيبة التي أظهرها المتصرف الجديد رستم باشا نحو بطرس كرم أمام السفير الفرنسي، وامام نامق باشا وابنه جميل باشا، ورغمآ عن وصية والدة هذا الأخير له بمساعدة يوسف بك، فقد اتبع خطة سلفائه في الحكم وتبددت تلك الاستعدادات حال وصوله إلى لبنان.

وصل يوسف بك الى الاستانة في ٥ تموز ١٨٧٣ واستأجر دارآ له في ضواحي المدينة، وهو حي اوروبي يطل على البوسفور، ويقيم فيه سفراء الدول والشخصيات البارزة من محليين وأجانب. واستقبله أصدقائه اللبنانيين من رجال دين ورجال اعمال.

وزار يوسف بك الصدر الأعظم ووزراء الدولة العثمانية وسفراء الدول وملؤه جميعهم بالعطف والتقدير. ورغب الوزير راشد باشا أن يقبل كرم من الحكومة التركية وظيفة تليق بمقامه، فاعتذر يوسف بك عن قبول أي وظيفة كانت. يقول كرم في هذا الصدد: “إن مهابة الصدر الأعظم أظهر لنا انشراح خاطر عظيم، وكذلك اظهر لنا سفير فرنسا مودة زائدة، ولم يبرح دولة الوزير راشد باشا يزداد انشراحآ وتعطفآ نحونا، وأن نقبل من الحكومة وظيفة مناسبة، فأوضحت لديه انني اصبحت غريق محامد شيمه ورجوته قبول اعتذاري من اي وظيفة كانت. ولما راجعني احد رجاله بهذا الخصوص قلت له: ان سفير فرنسا في الاستانة سابقآ اعرب لي في باريس تخوفه من طمعي بحكومة لبنان، فأوضحت له ضاحكآ انني اذا خامرت ميل لقبول حاكمية لبنان بالشروط الحالية، فأعد نفسي احقر الناس!”.

ولم يمضي القليل على زيارته وزراء الباب العالي وسفراء الدول في الاستانة حتى أرسل لكل منهم تقريرآ بالفرنسية عرض لهم فيه حالته وحالة لبنان واللبنانيين المحزنة واستبداد حكام لبنان بهم.

“إن إقامتي الجبرية خارج وطني لبنان اصبحت لا تطاق لأن حقيقة قضيتي ما تزال مجهولة من معاليكم منذ البداية حتى الآن. ولأنهم يزعمون أن الإضطرابات تعود الى لبنان حالما أعود انا اليه (المقصود البطريريك بولس مسعد)، الأمر الذي يجعلني اعتقد بأن متصرف لبنان، بإغتنامه فرصة إقامتي في الغربة ليمنع علي العودة إلى وطني وإجراء محاكمتي بموجب العدل والقانون، لم بعد يحق له أن يدعي بأنه حاكم شريف وعادل.
وبما أن ابناء وطني رازحون الآن تحت ثقل الاضطهادات والملاحقات والتهديدات، فجئت بلسانهم التمس من منزلة وشهامة الباب العالي والدول الخمس العظام حامية لبنان، منح ابناء وطني حرية الكلام ليتمكنوا من الشكوى من حالتهم المحزنة التي لا تطاق ومن الحصول على العدالة.
اما انا، فيما الأقدار قد قضت علي بأن أشرب حتى الثمالة كأس الغربة والآلام، فإني أرضخ لكلما تفرضونه علي، بشرط أن يصار إلى انصاف اللبنانيين”.

يا لها من تضحية نبيلة! أن كرمآ كان، عندما يشعر بأن حيفآ نزل بأبناء موطنه لبنان ينسى حالته المحزنة والحيف الذي نزل به ويحصر دفاعه عن اللبنانيين للمطالبة بمنحهم العدالة والراحة والطمأنينة. كان كرم يجابه وحده الأخطار ويتلقى يصدره ضرباتها ونتائجها.

ولما لم يتلقى كرم جوابآ على تقريره الأول رفع تقريرآ ثانيآ في ٣٠ تموز ١٨٧٣ الى وزير الخارجية التركي وسفير فرنسا ملؤه الجرأة واليأس.

“بما انني لم اتلقى جوابآ على تقريري الأول فقد تأكد لي بأن الصعوبات القائمة حيال موقفي لم تتبدل. وحيث اني اتوق لوضع حد لحياتي أو للمظالم النازلة بي، احببت أن أبسط لمعاليكم قبل اقدامي على أي عمل حقيقة التهمة التي نسبت لي زورآ وبهتانآ والتي ما زلت الاحق بسببها. واذا قضت السياسة بأن تظل في لبنان تلك المبادىء وتلك الأنظمة المعوجة والهدامة التي سنتها الدول لبلادي، فلم يبقى لي سوى إبداء اسفي العميق للموقف الذي سأضطر لإتخاذه والقيام بالعمل الذي تمليه علي واجباتي والظروف الحاضرة.
وتأكيدآ لمعاليكم بأن ليس لي مصلحة خاصة في هذه المساعي، فإني أتعهد بعدم الاشتراك بأي ثورة تحدث في لبنان ضد الحكومة الحالية، وبالإقامة خارج لبنان أبد الدهر فيما لو انصفت الحكومتين التركية والفرنسية اللبنانيين وأن تعوضا علي وعلى رفاقي بالجهاد. اما اذا رفضتا انصافنا فإن الخضوع التام والطاعة العمياء للمخلوقات البشرية هما شيئان يثيران الخجل والذم، لأنهما يخالفان حقوق الله الذي اوصانا بالخضوع لسلطة أوليائنا الشرعية ومقاومة استبدادهم وظلمهم واهوائهم الذاتية. وفي هذه الحالة الأخيرة سأضطر إلى إعادة روحي لخالقها العظيم، بعد أن أكون دافعت في سبيله وسبيل وطني على قدر طاقتي”.

وكان كرم يتذكر على الدوام رفاقه الذين خاضوا معه المعارك من إهدن وكسروان وسواها، وكانوا يفدونه بالمهج والأرواح، وقد طلب من وكلاء املاكه في لبنان تخصيص مرتباً مالياً سنوياً لمن كان من رجاله في حالة فقر وحاجة، وعلى أن تشمل القائمة الكل دون استثناء من الذين اختاروا معه أن يهتفوا باسم الله والعدل البشري

قد يستغرب القارىء كيف أن كرمآ تجرأ وهو في العاصمة التركية على تهديد حكومة الباب العالي وسفير فرنسا بإحداث ثورة في لبنان لمقاومة الظلم والاستبداد اذا لم يتم انصاف اللبنانيين.

وكما أن كرمآ لم يتلقى جوابآ على ثقريره الأول، فإنه لم يتلقى جوابآ على تقريره الثاني، وهذا ما يتبت أن سكوت الباب العالي وسفير فرنسا اعظم دليل على حقانية دعوى كرم وبرائته مما نسب اليه. فلو كان مذنبآ لما تقاعس أولياء الأمر عن اجراء محاكمة كرم والتخلص منه. بيد أن تقارير كرم واحتجاجاته قد اهابت بحكومة الباب العالي، فمنحه السلطان مرتبآ ماليآ قدره ٥٠ ليرة عثمانية ذهبآ شهريآ.

وكان كرم يتذكر على الدوام رفاقه الذين خاضوا معه المعارك من إهدن وكسروان وسواها، وكانوا يفدونه بالمهج والأرواح، وقد طلب من وكلاء املاكه في لبنان تخصيص مرتبآ ماليآ سنويآ لمن كان من رجاله في حالة فقر وحاجة، وعلى أن تشمل القائمة الكل دون استثناء من الذين اختاروا معه أن يهتفوا باسم الله والعدل البشري. إن هذه العاطفة الرقيقة الشريفة لم يبدها كرم نحو رفاقه بالجهاد وحسب، بل كان يبديها لكل لبناني وجده في الاستانة في حالة عسر مالي.

إبان اقامة كرم في الاستانة حصل انشقاق كبير في الرهبانية اللبنانية المارونية ولعبت السياسة دورها في هذه القضية الخطيرة، وطعنت الرهبانية طعنة نجلاء في الصميم، فعبثت بقوانينها وقلبتها رأسآ على عقب وخلقت البغض بين أفرادها، بعد ان كانت كتلة واحدة لا هم لها سوى العمل في حقل الدين والوطنية.

كان البطريرك بولس مسعد يسير على سياسة وضع التوازن بين منطقتي الشمال وكسروان بما بتعلق بالرتب والوظائف الكنسية على اختلاف أنواعها، ولكنه احتكرها فيما بعد لابناء منطقته كسروان، فلم تترمل في عهده ابرشية الا وسام عليها مطرانآ من كسروان، وما رأى رتبة سامية في الرهبانيات الا وسعى في عزل اربابها وابدالهم بكسروانيين، حتى انه سعى في هجر المقر البطريركي في الديمان وجعل بكركي مقرآ دائمآ صيفآ وشتاء. فكان من البديهي أن تعبث سياسته هذه الهدامة بحقوق الشماليين وأن تلحق بهم اجحافآ ما بعده اجحاف.
عقد الرهبان مجمعآ في تشرين ١٨٧٤ في دير سيدة شاميط ودعوا لإنتخاب رئيس عام جديد ومدبرين جدد حسب العادة والقانون.
في اوائل ١٨٧٥ حضر الرهبان من مختلف الانحاء اللبنانية الى الدير، وكان اكثرهم من الشمال، واجتمعوا في كنيسة الدير لإجراء الانتخاب، فتفاجأ الرهبان بتعيين الرئيس والمدبرين من قبل القاصد الرسولي المونسنيور لودوفيكوس بيافي، الذي كان البطريرك مسعد قد طلب مساعدته وحضوره في الاجتماع، فاحتجوا عليها طالبين أن يتركوهم أحرار لإنتخاب من يشاؤون. وعندما شاهدوا أن سيادة القاصد الرسولي يريد أن يملي عليهم إرادته بالقوة خرجوا من الكنيسة صاخبين. فتم انتخاب الأب مرتينوس الغوسطاوي رئيسآ عامآ على الرغم من أن الاكثرية الساحقة لم تشترك في انتخابه.

لجأ الرهبان إلى يوسف بك كرم الذي كان يومئذ في الاستانة متوسلين اليه ان يتدخل في قضيتهم ليرفع الاجحاف والظلم اللذين لحقا بهم. فطلب كرم منهم ان ينتظروا عودته إلى روما ليهتم بقضيتهم جديآ.

ومن الأمور التي اهتم لها يوسف بك وهو في الاستانة قضية تأسيس مجلس طائفي ماروني في لبنان يتسلم مقدرات البلاد، ويكون قوة رادعة لأصحاب المطامع والاستبداد، وحكمآ فاصلآ لبعض الخصومات وعونآ للحكومة على تسيير مصالح اللبنانيين وفقآ للعدل والقانون. ويتألف هذا المجلس من اساقفة الطائفة واعيانها برئاسة غبطة البطريرك.

وكان كرم يقصد من تأليف هذا المجلس وضع حد لسلطة البطريرك الماروني في القضايا الزمنية ومنع تماديه في حصر جميع السلطات بيده، الأمر الذي سبب الاضطرابات في لبنان في ظروف عدة، واوجد الانشقاق في قلب الطائفة المارونية وقضى على كل زعامة مدنية في البلاد.

في ٢٩ ايار ١٨٧٦ أرسل كرم إلى كل المطارنة الموارنة كتابآ بين فيه ضرورة تأليف المجلس الماروني والأعمال المفيدة التي يمكنه أن يأتيها في سبيل لبنان وابنائه، والنكبات والحوادث التي يمكنه أن يتحاشاها. ” إن هذا المجلس يوفر على الحكومة المحلية وعلى الموارنة جميع الخلافات الخطرة، فلا يعود يحق لأحد أن يأتي بعملآ منفردآ. هكذا يصبح الموارنة جسمآ واحدآ يتعاضد وينمو بإستناده الى حق العباد والخضوع الشرعي للحكومة الشرعية “.

كانت سلطة البطريرك بولس مسعد اصبحت في تلك الفترة عظيمة جدآ في لبنان. اذا عاضدت حاكمآ ثبتته، واذا غضبت عليه زعزعته. يطلب الباب العالي ود صاحبها، وتأخذ فرنسا رأيه في الأمور الخطيرة. لا زعيم في لبنان يناقش غبطته الحساب ولا فئة تجرؤ على مناوأته، حتى أصبح الكرسي البطريركي مركز الزعامة في البلاد ومحط آماله.

وبعد ان اوعز البطريرك الى المطارنة اقناع كرم بعدم امكانية السير بالمجلس الماروني، فلم يجيب على اقتراحه، ومني بالاخفاق.

في سنة ١٩٤٢، أي بعد مرور ٦٦ سنة على اقتراح كرم بتأليف المجلس الماروني، نهض نفر من اعيان الموارنة في لبنان وعلى رأسهم جورج بك ثابت من بيروت يطالبون بتأليف مجلس ماروني على غرار المجلس الذي اقترحه يوسف بك كرم في ١٨٧٦، غايته القيام إلى جانب البطريرك الماروني للتعاون معه في القضايا التي تهم الطائفة وفي القضايا الوطنية العامة. وقد اجازت الحكومة اللبنانية تأليف هذا المجلس بقرار صدر عن وزارة الداخلية رقم ١٨٠٥ في ١٥ كانون الأول ١٩٤٢.

وما أن اخفق اقتراح كرم بتأليف المجلس الماروني حتى انقطعت العلاقات بين البطريرك ويوسف بك، وبدأ العراك الهائل بينهما.
لقد انتقد البعض غضب كرم وقساوته وصراحته وجرأته في عراكه مع البطريرك، فيما البعض الآخر انتقد عناد غبطته وتستره ودهائه للقضاء على كرم ومنعه من العودة إلى لبنان.

من يتتبع مراحل كرم في منفاه والحياة الشاقة التي قضاها مدة ٢٢ سنة بعيدآ عن وطنه لبنان وعن اهله واصدقائه، وما قاساه من الحوادث بسبب تصريحات البطريرك العدائية، لا يسعه إلا الإقرار بصوابية الحملة التي شنها كرم على غبطته.

يقول كرم في كتابآ الى صديقه المطران يوسف الدبس “إن البطريرك مسعد لكي يكسب رضى متصرف لبنان كان يقول: إن كرم لا يذعن لنصائحي!. فهذه العبارة الصغيرة قد سودت كثيرآ نقاوة قضيتي، لأن في الاستانة وفرنسا وغيرهما يعلقون على اقوال بطريرك معتبر وخالي الغرض اهمية اكبر من اقوال متصرف لبنان أو اقوال يوسف كرم…
إن الآلام المبرحة التي قاسيتها طيلة ١٠ سنوات في غربة قاسية قد احتملتها بصبر لأنها تتعلق بي شخصيآ وقد فضلت احتمالها على أن أضع تحت انظار العالم الرسمي حقيقة اسباب النكبات التي نزلت بالموارنة في الفترة الأخيرة. اما الآن فلم تعد القضية قضية شخصية، بل اصبحت تتعلق بسلام شعب آمن، بريء، لدرجة أن الله والناس لن يعذروا سكوتي بعد الآن…
كان على غبطته بصفته بطريركيآ أن يؤيد اقتراحي بتأليف مجلس ماروني الذي تستدعي تأليفه الظروف الحاضرة، وأن يخضعه لحكم الباب العالي والدول التي وقعت نظام لبنان، وأما أن يعين الشر الذي يفترضه. ولكن محاولته اقناعي بأن مشروعآ مفيدآ كهذا غير ممكن، في حين أن مذبحة قاضية هي أمر ممكن جدآ.. فهذه المحاولة تعيد الى ذاكرتي جميع الهفوات التي اراد أن يرتكبها بعضهم حتى الآن. ثم اذا كان لا يحق لنا الالتجاء إلى منافع العدالة وحق العباد والى شريعة من الشرائع البشرية، فالى من نلجأ اذآ؟ انلجأ الى الاستعباد المزدوج ايها السيد الجليل؟ ولكن العبيد انفسهم، بفضل مساعدة العالم الإنساني، قد نبذوا منذ زمن بعيد هذا الاستعباد!”.

لم يكتفي كرم بإظهار كدره من البطريرك مسعد إلى صديقه المطران دبس، بل أرسل تقريره هذا إلى نيافة الكاردينال فرانكي رئيس مجمع انتشار الايمان المقدس في الفاتيكان عرض فيه حالة ابناء لبنان والاضطهاد الذي نزل بهم…

ورغب كرم في مغادرة الاستانة والذهاب إلى فرنسا. واطلع سفير فرنسا على رغبته هذه، فأجابه هذا الأخير أن الحكومة الفرنسية ترفض إجابة طلبه. فشرح كرم للسفير الأسباب التي تحمله على مغادرة الاستانة، فكان على كرم انتظار مخابرة السفير الفرنسي لحكومته بهذا الخصوص.

راسل يوسف بك صديقه الجنرال ديكرو، قائد الحملة العسكرية الفرنسية إلى لبنان في صيف ١٨٦٠، الذي كان يقيم حينئذ بالقرب من باريس.
يقول في كتايه له: “اذا كانت فرنسا، بدلآ من أن تسهل عودتي إلى لبنان، تريد أن تمنع ذبح النصارى في الشرق، فإني أضحي بقضيتي الشخصية انقاذآ لأبناء وطني من الكوارث التي تهددهم، ولن أعود احتج على إطالة مدة إقامتي في الغرية”.

ولما لم يحصل يوسف بك على شيء من عدالة الحكومتين الفرنسية والباب العالي رغمآ عن اقامته الطويلة في الاستانة، ومراجعاته العديدة بشأن الحصول على حقوقه، عاودته فكرة تنظيم حملة عسكرية ثانية لإنقاذ لبنان على يد الامبراطورية الروسية، بعد أن اخفقت الحملة الاولى على يد اليونانيين والايطاليين وغيرهم.

وكان قد باشر كرم الاتصالات بشأن هذه الحملة مع جنرالات روس مقربين من الامبراطور، واتفق الطرفين على المبالغ اللازمة لهذه الحملة، والذخائر والأسلحة اللازمة لجنودها، وعلى الوقت المناسب لشن الهجوم. وبلغت هذه الأخبار حكومة لبنان وانتشر الخبر في البلاد بأن كرمآ عائد إلى وطنه على رأس حملة عسكرية، فساد الخوف وعمت الفوضى في البلاد وتضاعفت المراقبة على الشواطىء والطرقات.

ولما رأى كرم أن قضية هذه الحملة أخذت شكلآ جديآ، وأن المساعي في سبيل تحقيقها تتقدم يومآ عن يوم، خشي أن ينفضح امرها وهو في عاصمة السلطنة، فيقضى عليه بالإعدام بجريمة التآمر على سلامة الدولة التركية، فكلف أصدقائه بشحن امتعته وأوراقه إلى لبنان وغادر الاستانة في ١٧ تموز ١٨٧٦ على متن باخرة فرنسية إلى روما.

الجزء الرابع – الانقسام داخل الرهبانية اللبنانية المارونية

“إن موقف الموارنة الداخلي هو اتعس من موقفهم الخارجي، لأن بطريركهم لا هم له سوى فرض سلطته المطلقة عليهم. فإذا ترجاه رؤساؤهم أن يعتني بالصالح العام اجابهم أن هذا الأمر لا يعنيهم، واذا هم وحدهم اعتنوا بهذا الصالح اعلن غبطته للحكومات انهم لا يسمعون له. فأي مصيبة اعظم من هذه… إن قضية رجوعي إلى لبنان وقضية تغيير طباع البطريرك بولس مسعد هما امران منفصلان: اولهما يصادف صعوبات جمة وثانيهما يحتاج لمعجزة الهية”.
يوسف بك كرم ٢٩ ايار ١٨٧٨

غادر يوسف بك كرم الاستانة وعاد إلى روما على حين غرة لأنه خشي أن تصل اخبار الحملة العسكرية التي كان يحضر لها على لبنان إلى الحكومة التركية، فيُحكم عليه بالإعدام.

دب الذعر في صدور رجال الحكومتين اللبنانية والتركية وبدأت تصدر الأوامر بوجوب حراسة الشواطئ اللبنانية وتوزيع الجيوش عليها تحسبآ للطوارئ. وبدأت الإسر المسيحية المقيمة في المدن الاسلامية تغادرها وتلجأ إلى الجبل (غالبية عيال الروم الاورثودكس في طرابلس رحلوا إلى الكوره بأمتعتهم).

في تلك الأثناء وصلت أمتعة وأوراق يوسف بك إلى ميناء طرابلس. وحضر الخوري يوسف معوض الأهدني ليهتم بنقلها إلى زغرتا، بناء على اشارة من يوسف بك، بعد أن امتنع الكثيرين عن تسلمها مخافة من إلقاء القبض عليهم. وقد اظهر هذا الكاهن جرأة غريبة وصلابة نادرة بين أخذ ورد مع والي طرابلس حتى تمكن من إخراج الأمتعة من دوائر الجمارك. وقد احتفظت الحكومة اللبنانية بكتب وأوراق كرم وختمتها بالشمع الاحمر وارسلتها إلى المتصرف. وقد أحدث وصول الأمتعة الى زغرتا فرحآ وسرورآ عظيمين في صدور اللبنانيين، لأنهم اعتقدوا أنها بشرى سارة لعودة بطلهم إلى لبنان، واحتفلوا لعدة ايام ولم يخشوا أي تهديد.

وظلت الاتصالات جارية بين كرم والجنرالات الروس بشأن الحملة العسكرية على لبنان، ولكن الحكومة اليونانية عدلت عن فكرتها بتجهيز الحملة لأن روسيا أرادت تجنب هذه الحوادث في تلك الفترة. فدفنت الحملة كما دفنت سابقتها في ١٨٧٠.

غادر كرم روما إلى بلدة فراسكاني الشهيرة بجنائنها الغناء وقصورها الشهيرة ليهرب من شدة القيد والآلام الناجمة عن اخفاق الحملة العسكرية الثانية على لبنان، بعد أن قابل قداسة الحبر الأعظم في الفاتيكان لساعات مطولة.

وفي فراسكاني عكف كرم على كتابة مذكرة يشرح فيها للكرسي الرسولي أهم الحوادث التي جرت في لبنان ودور البطريرك الماروني السلبي تجاهه، وخلافه مع داوود باشا ونتائجه الوخيمة على كرم واللبنانيين.

وقبل أن يطبع كرم مذكرته هذه، فقد سعى إلى إقناع البطريرك مسعد لتعديل موقفه العدائي نحوه والحد عن اعماله المضرة بمصالح لبنان واللبنانيين. ولكن مساعي كرم ذهبت ادراج الرياح لأن غبطته ظل متصلبآ بعناده ومتمسكآ بآرائه ومبادئه، ظنآ أن كرم لن يجرؤ على نشر مذكرته.

ولما يئس كرم من تصلب البطريرك وعناده طبع “مذكرته الى الكنيسة المقدسة” باللغة الفرنسية في أواخر ١٨٧٦ وهي تقع في ٦٠ صفحة بحجم كبير.

“إن واجبآ مقدسآ يدعوني إلى العدول عن السكوت الذي لازمته حتى الآن عن أعمال كثيرة ارتكبها البطريرك الماروني بولس مسعد. وقد لازمت هذا السكوت اعتقادآ مني أن غبطته لا بد ان يعدل موقفه بما يوافق مصالح لبنان واللبنانيين، فيوفر علي متاعب مساعيي هذه. ولكن للأسف أن موقفه يزداد خطورة يومآ بعد يوم لدرجة أن القضية اصبحت قضية موت أو حياة ابناء وطني لبنان.
…ومن الأمور المسلم بها شرعآ أن يختار المرء عند الحاجة أهون الشرين. فمن الأفضل أن يُلقى اللوم على اللبنانيين بسبب هفوات بطريركهم من أن يظل ينبوع نكباتهم مجهولآ من الكنيسة المقدسة وفرنسا. ومن الأفضل ايضآ أن يلقي العالم الرسمي مسؤولية هذه النكبات على عاتق الموارنة من أن يعيرهم الانحطاط والخنوع ويكرههم على احتمال نير الاستبداد مدى الدهر. ذلك النير القاسي الذي وضعته الدول الأوروبية في اعناقهم منذ سنة ١٨٦٠ حتى اليوم…ولم أسمح لنفسي تنبيه الكرسي الرسولي وفرنسا من هفوات غبطة البطريريك، الا بعد ان افرغت الجهد مدة ١٧ سنة لديه دون أن أتمكن من الوصول لإقناعه بتعديل نواياه نحو الموارنة، لأن الكنيسة المقدسة وفرنسا تعتقد ان البطريرك يهتم بالخير العام، فتستشيرانه دعمآ في قضايا اللبنانيين، مما يجعل النكبات اشد خطورة.
…إن اساس الكنيسة هو الحقيقة، فلا يمكن أن نتوخى في قولها سوى معرفة الحقيقة.
…إن الشكاوى التي يتقدم بها رجل علماني بحق رئيسه الروحي لهي شكاوى مؤسفة، بيد أن ما يثير اسفآ اعظم هي أعمال ذلك الرئيس التي توجب على المؤمن أن ينبه العالم الرسمي عن حالة شعب آمن تُعرضه تلك الأعمال إلى سائر انواع المخاطر.
يدعي البعض أن شكاوى من هذا النوع قد تثير شكوكآ وأن على الكنيسة أن ترفضها أو تخفف من اهميتها. هذا الادعاء هو اشد خطورة من تلك الأعمال المؤسفة، إذ من شأنه أن يشجع على التمادي بها…
لنفترض أن بطريركيآ مهما كان مقامه محترمآ، جاء يناصر علنآ الاستبداد، فجاء رجل علماني يلتمس من الكرسي الرسولي احترام الشرائع، فأي الرجلين ينال عطف وموافقة الكنيسة؟ فإذا اجبنا البطريرك نكون اعتبرنا الكنيسة احط جمعية بشرية تحترم شرائعها!
إن كل رئيس، اكليريكيآ كان أو علمانيآ، مهدد كل ساعة بالموت، اما الأمة فقد وجدت لتنجب رؤساء ولتحيى دهورآ!”.

على الرغم من تحديد عدد نسخ المذكرة التي طبعت، فإن العدد الضئيل الذي أرسل منها إلى المقامات العالية في الكنيسة وفي فرنسا ولبنان كان كافيآ لإحداث دوي هائل في تلك المقامات، إذ لم يسبق أن قام رجل علماني في لبنان ان أظهر حقيقة أعمال أكبر شخصية اكليريكية في البلاد، وناقشه الحساب على اعماله الاستبدادية، واخضعه إلى حكم الكرسي الرسولي.

وقد ضمت هذه النشرة تحت لوائها انصارآ وخصومآ. فكان الخصوم يدعون أن كرم لم يكن له صفة رسمية ليتكلم بإسم اللبنانيين الذين لم ينتدبوه وكيلآ عنهم، فيما الأنصار يجيبون بأنه طالما ان البطريرك الماروني كان يتكلم بإسم اللبنانيين امام العالم الرسمي دون ان يكون له صفة رسمية ولا توكيل بذلك، فالأولى ان يكون ليوسف كرم، ضحية البطريرك، الحق في الدفاع عن شخصه ومصالحه وأبناء وطنه ضد الاستبداد والمظالم الناتجة عن أعمال البطريرك.

وكان الكرسي الرسولي وفرنسا قد ارسلا إلى غبطة البطريرك مذكرة يوسف كرم ليطلع على ما جاء فيها وليجيب على الأعمال المنسوبة اليه. ولكن غبطته لم يسرع بالجواب معتذرآ بأن الأعمال التي نسبها إليه كرم قد جرحت فؤاده وأثرت به تأثيرآ كبيرآ.

وبعد انقضاء ٦ اشهر على طلبهما اعادا تذكيره بضرورة الجواب على ما جاء في المذكرة. فبدلآ من ان يجيب البطريرك عليها ويدحض الأعمال المنسوبة اليه فيها، لجأ إلى التستر. فقد طلب من صحبه وانصاره أن يحركوا السموات والابوات احتجاجآ، وان يرفعوا الى الكرسي الرسولي وفرنسا عريضة يطلبون فيها رفض ما جاء في المذكرة ووضعها تحت الحرم نظرآ الى الشكوك التي قد تثيرها في البلاد. وقد نشرت البطريركية المارونية فحوى هذه العريضة في جريدة “لوموند” الباريسية محذرة من قراءة مذكرة كرم.

لجأ البطريرك إلى صديقه المتصرف رستم باشا والتمس منه ان يوجب على مشايخ الصلح في القرى اللبنانية تنظيم وتوقيع عريضة لحكومة الباب العالي وفرنسا يلتمسون منها منع عودة يوسف بك إلى لبنان. فقام رستم باشا بما طلب منه. ولكي يظهر المتصرف تضامنه مع البطريرك، فقد زج في السجن مشايخ القرى الذين رفضوا توقيع تلك العريضة السافلة.

اقتنع الكرسي الرسولي بما جاء في تلك العريضة التي رفعها إليه بعض المطارين وبعض اعيان البلاد، وأثرت به الاحزان التي استولت على البطريرك من مشاهدة اعماله تنشر على الملأ، واعتبر أن الدموع السخية التي ذرفها غبطته تكفي لبراءة ساحته مما نسب اليه من اعمال، فوفر على غبطته الجواب على ما جاء في مذكرة كرم وقضى برفضها ووضعها تحت الحرم.

وقبل أن يتخذ الكرسي الرسولي هذا القرار، اراد ان يوفر على كرم الكدر من وضع مذكرته تحت الحرم، فاستدعى الكاردينال فرانكي يوسف بك وطلب إليه أن يحرر كتابآ الى البطريرك يطلب من غبطته الصفح عما نشره في مذكرته من الأعمال المنسوبة لغبطته، وفي هذه الحالة يمتنع الكرسي الرسولي عن وضع المذكرة تحت الحرم. رفض كرم باباء وعزة طلب الكاردينال فرانكي الذي يرمي إلى مناصرة الباطل والاستبداد ضد الحق والعدل.

عاد كرم من الكرسي الرسولي غاضبآ وقد أثرت به مساعي الكاردينال تأثيرآ شديدآ. فرغب في إطلاع قداسة الحبر الأعظم على هذه المساعي ورفع لقداسته تقريرآ اضافيآ. ولكن الكاردينال اغضبه رفض كرم الرضوخ إلى إرادته، فرفض بدوره إحالة تقرير كرم إلى قداسته. فاثار هذا العمل استياء كرم واغضبه موقف الكاردينال. فرفع إلى نيافته كتابآ شديد اللهجة جاء فيه:
“…وعلى الرغم من رغبتي الشديدة في الاذعان لارادتكم، فلا يسعني أن اقبل بملء اختياري طلبآ من شأنه أن يرذلني ويرذل عملآ املته علي واجباتي المقدسة! …لقد قلت واعيد القول ان الدستور اللبناني الذي سنه العالم الرسمي للبنان، والذي لم ترفضه الكنيسة المقدسة، يجب أن يكون محترمآ من جميع سكان لبنان، وفي الدرجة الاولى من البطريرك مسعد والمتصرف. لكن هذين الرئيسين، الروحي والزمني، قد برهنا باعمالهما واقوالهما أن سلطتهما تمتد في لبنان حتى إلى خرق حرمة هذا الدستور!”.

وفي كتاب وجهه الى السفير التركي في روما، يقول فيه كرم:” انه من الثابت ان البطريرك مسعد والمتصرف رستم باشا، الاول كزعيم روحي، والثاني كزعيم مدني، قد بسطا على لبنان الاستبداد تحت ستار السلطة”.

وردآ على العريضة التي نشرتها البطريركية المارونية في جريدة “لوموند” يقول كرم:” …لعمري أن البطريرك عندما شاهد سلسلة اعماله الشخصية مطروحة أمام إنظاره بأمر الكرسي الرسولي، كان عليه أن يجيب اولآ، أو أن يبادر إلى تعويض الأضرار التي نتجت عن هذه الأعمال الاستبدادية، أو أن يمتنع على الأقل عن جر مطارنة الطائفة إلى طريق وعرة تنافي حقوق الكنيسة وحقوق الموارنة وحقوقي معآ. اما انه استخدم المطارنة ستارآ يحتجب ورائه كي لا يؤدي إلى الكرسي الرسولي حسابآ عن اعماله الشخصية، فإنه بذلك اعتمد على شريعة القوة ووضع مطارنة الطائفة في موقف يعارض مباشرة حقوق الموارنة…”.

هكذا كان يوسف بك كرم يخوض وحده المعارك على جبهات مختلفة، ويصد بسيف الحق والجرأة والاقدام هجمات اعدائه، متكلآ على الله، قاضي القضاة ومصير ابطال الحق والعدل.

وكانت قضية الرهبانية المارونية قد ازدادت توترآ واخذت شكلآ خطيرآ على لبنان. فسادت الفوضى في البلاد وتعالت اصوات الشكاوى والاحتجاجات، وانقسم الجبل إلى فئتين: فئة تؤيد سياسة البطريرك مسعد والصرامة التي انزلها هو والمتصرف رستم باشا واعوانهما بحق الرهبان الذين أبوا الخضوع للذل والاستبداد، وفئة قامت بوجه هؤلإ الرؤساء تناصبهم العداء وتظهر لهم ان لبنان لم يُحرم من رجال الكرامة والوطنية. ولم ينحصر هذا الانقسام في طبقات الشعب والرهبان، بل تعداه الى الاساقفة والمطارين والرؤساء الروحيين.

خشي البطريرك من انفضاح التلاعب الذي اجراه في مقدرات الرهبانية اللبنانية وخاف من نتائجه الوخيمة، فاخذته الحيرة وتبصر في امره. فطلب يد العون من المطران يوسف الحاج لمساعدته، وقرر الاثنان خوض غمار المعركة واتخاذ البطش والقوة بحق الرهبان المتمردين.
ولكي يحملوا رستم باشا على خوض هذه المعركة إلى جانبهم، ويضعوا حد للفوضى التي لم يتمكنوا من قمعها، اوعزوا إلى المتصرف أن يوسف بك كرم هو الذي يغذي الثورة في البلاد، وهو من اوعز للرهبان بالتمرد.

وكان رستم باشا تركيآ اكثر من الاتراك، وكان ماسونيآ يكره رجال الدين. فخابر حكومة الباب العالي في الأمر التي اوعزت إليه باتخاذ التدابير الصارمة بحق الرهبان المتمردين، إذ كانت ترمي إلى ازكاء جذوة الخلاف بين السلطة الروحية والشعب وإضعاف نفوذها في البلاد.

وحتى يظهر رستم باشا اهتمامه الفوري والجدي في قضية الرهبان، ذهب بنفسه إلى لبنان الشمالي على رأس مفرزة من الجند اللبناني وقبض على رهبان دير قزحيا وبان وعين بقرة وزج بهم في سجن بيت الدين مع المجرمين وقطاع الطرق.

أثارت هذه التدابير الصارمة الغضب والاشمئزاز في صدور اللبنانيين، وحملتهم على أن يصبوا نار غضبهم على البطريرك مسعد واعوانه.
وهذا السخط لم يبده أهل الشمال وجبيل فحسب، بل إن موارنة بيروت ثارت ثائرتهم واعلنوا للمطران يوسف الدبس بانهم لن يسمحوا للجند اللبناني بالقاء القبض على الرهبان الذين لجأوا إلى بيروت هربآ من بطش المتصرف.

وكان ان لجأ بعض الرهبان إلى القنصلية الفرنسية لطلب الحماية، فيما البعض الآخر هدد باعتناق البروتستانتية فيما لو اكمل المتصرف اضطهادهم.

وكان العسكر اللبناني بدأ حملة مطاردة للرهبان الفارين إلى رؤوس الجبال، وقد اضناهم الجوع والعطش والعري من الإقامة في الاحراش والوديان العميقة وصعود الكهوف العالية. ونهب العسكر امتعة رهبان دير قزحيا.

ابى مطران صور وصيدا الماروني بطرس البستاني أن يجاري المتصرف واعوانه في اعمالهم الشاذة بحق الرهبان، فضمر رستم باشا لسيادته الشر والانتقام وصمم النية على ابعاده عن لبنان. وقد تمكن من اخذ موافقة فرنسا وبريطانيا من الحصول على أمر من الاستانة يقضي بابعاد المطران البستاني من لبنان الى القدس.

في ١ حزيران ١٨٧٨ احاط العسكر اللبناني وعسكر الدراغون المؤلف من ٢٠٠ جندي بكرسي المطران البستاني في بتدين لابعاده عن لبنان الى القدس، فحصل احتكاك مع أهالي دير القمر والقرى المجاورة الذين ارادوا الانقضاض على العساكر ومنعهم من اخذ المطران مهما كلف الامر من بذل ارواح وسفك دماء، ولكن المطران بستاني طلب منهم اللجؤ إلى الهدؤ والسكينة..

بلغت اصداء هذه الحوادث مسامع يوسف بك كرم وهو في روما، فثارت ثائرته وهب لنجدة المظلومين ومناصبة المستبدين. وتذكر اللبنانيون في محنهم بطلهم العظيم وتمنوا رجوعه إلى لبنان ليضع حدآ لاستبداد رستم باشا، وبدأوا يراسلوه ويشرحون له الوضع.

جاء في كتاب مرسل إلى يوسف كرم من لبنان: “…إن رستم باشا بدٌل أعضاء المحاكم في المركزية والاقضية العارفون بالشريعة والقوانين ووضع مكانهم اشخاصآ جهلأ لأجل إرهاب واذلال الآخرين. وقد اخذ لذاته كل سلطة المجالس واستبد برأيه وامره، غير مبال لا بشريعة ولا بقوانين ولا بنظام، فيحبس من يشأ من الابرار ويطلق من يشأ من الاشرار دون حكم ولا محاكمة…
هذه هي حالة لبنان اليوم بغياب سعادتكم…لو كنتم هنا لكنتم وضعتم حدآ لأعمال هذا الظالم كما وضعتم حدآ لزميله داوود…”

وجاء في كتاب آخر مرسل إلى كرم من لبنان “…البلاد والجميع بتعطش زائد لتشريف افندينا (يوسف بك) إلى لبنان، حتى ان بعض الأصحاب قالوا” أي متى يأتي الذي يخلصنا من هذه الحالة؟ فليستعجل بالحضور لأنه ربما يأتي ويوجد البلاد خرابآ…”

وجاء في كتاب ثالث مرسل إلى كرم من لبنان: ” إن أحوال البلاد خراب…الحكومة شددت الأوامر بعدم نقل السلاح والسيوف والسكاكين…والكل كفر بالحالة الحاضرة، والجميع بصوت واحد اقروا بما تنبأتم عليهم به وصاروا طالبين رجوعكم وهم أكبر المساعدين”.

كانت هذه الأخبار تدمي فؤاد يوسف بك. فهل كتب للبنان أن يبقى تحت نير استبداد حكامه؟ وهل تظل العناية الإلهية تسمح لهؤلأ الحكام أن يستبدوا بالرعايا الآمنين المسالمين، يدوسون القوانين بارجلهم ويرهقون الشعب بالمظالم والاعمال الجائرة؟

نهض يوسف بك نهضته الجبارة واخذت كتبه وتقاريره الاحتجاجية تجوب الشرق والغرب، باسطآ للرأي العام الكاثوليكي قضية الرهبان اللبنانيين وقضية صديقه المطران بطرس البستاني وما لحق بهم من الظلم والاستبداد من قبل رستم باشا واعوانه. فطلب فصل قضية الرهبان وفقآ للقانون الكنسي ولقوانين الرهبانية نفسها…ففي هذه الحالة يمكنه واعوانه أن يظهروا خضوعهم الشرعي للبطريرك.

في كتاب وجهه كرم إلى المطران الدبس يقول فيه “فإذا كان قانون الرهبانية اللبنانية لم يزل مقبولآ في روما، فينبغي توفيره رغمآ عن دعاوى أرباب الغايات الغير مؤسسة على أصول قانونية، بل وأن يجري القصاص على الذين يناقضون القانون مع كل من تتقدم عليه شكوى خصوصية بحد ذاته، كما تتيح ذلك القوانين نفسها”.

وفي مقال نشره كرم في جريدة “لوموند في ٢٩ كانون الاول ١٨٧٧ يقول فيه “إن البطريرك مسعد والقاصد الرسولي قد ارتكبا اعمالآ استمداها من سلطة تناقض الشرائع الالهية والكنسية والطبيعية والمدنية معآ.
فهذان الحبران، بعد ان احدثا في لبنان اضرارآ جسيمة وعديدة، روحيآ وزمنيآ، ارادا أن يلعبا بمقدرات الرهبانية اللبنانية، وقد توصلا لغايتهما هذه في فرض على الرهبانية، خلافآ لقوانينها المثبتة، رئيسآ عامآ و٤ مدبرين غير شرعيين…
ونظرآ لخطورة هذا الاضطهاد، رأيت من واجبي أن اطلع الرأي العام المسيحي في العالم على هذه الأعمال المغايرة، مبينآ أن هذه التهم التي الصقها هؤلأ الطغاة بالرهبانية هي تهم خيالية، وأن الموارنة يودون كثيرآ أن يترك رؤساء الكنيسة المارونية مجد الله للله وحق الإنسان للإنسان…
واذا كنت ابعدت عن وطني بدون محاكمة قانونية ولمجرد تهمة باطلة الصقها بي داوود باشا، فهل أن رستم باشا اتخذ خطة سلفه قانونآ لأعماله بنفيه المطران بطرس البستاني بدون محاكمة قانونية ولمجرد تهمة باطلة الصقها بسيادته؟…”.

لم يكتفي كرم برفع التقارير والاحتجاجات للمقامات المدنية والروحية السامية بشأن قضية الرهبان واعتقال المطران البستاني، بل عكف على تنظيم مذكرة أوضح فيها المؤامرة التي حاكها البطريرك مسعد والمطران يوحنا الحاج بالاتفاق مع القاصد الرسولي، والفوضى والبلبلة التي نجمت عن هذه المؤامرة، وما فعله الكرسي الرسولي بهذا الصدد.
وقد طبع كرم هذه المذكرة باللغة الفرنسية في حزيران ١٨٧٨، وهي تقع في ٢٠ صفحة.

ومما قاله كرم: “…إن الحقيقة مهما كانت جارحة تُفضل على الكذب مهما كان معسولآ.
إن ثقة الكاردينال فرانكي، رئيس مجمع انتشار الاديان المقدس، العمياء بالمعلومات التي ترده من البطريرك مسعد ومن القاصد الرسولي هي التي أوصلت نكباتنا إلى أعلى درجة من الاضرار والشرور، إذ أنها وضعتنا أمام أمرين: إما ان نستسلم إلى استبداد لا حد له، وإما ان نستخدم القوة ضد اولائك الذين ينازعون الله شرائعه وينازعون البشر شرائعهم، الأمر الذي يجب على رؤوسائنا الروحيين ان يتجنبوه فيوفروا عليهم وعلينا نتائجه الوخيمة…
بما ان الشرائع سهلة الإدراك، يجب على المؤمنين أن يستخدموا عقلهم في كل ما يتعلق بهم…
إن السيد المسيح له المجد قد أوصى المؤمنين بأن يصغوا لكلام الجالسين على عرش موسى وبأن يطيعوهم، ولكن دون أن يشاركوهم على الإطلاق بهفواتهم. فلا أحد يستطيع أن يجلس على عرش موسى ما لم ينفذ شريعته. وعليه فإنه لا توجد سلطة ولا طاعة شريفة الا بمراعاة الشرائع. إن سيدنا يسوع المسيح، عندما اوصانا بالطاعة لرؤوسائنا ، فقد وضع شرطآ ملازمآ لهذه الطاعة، إذ انه اضاف الى عبارته الاولى “لانهم يسهرون على نفوسكم.

إذآ طالما لم نعد ملزمين بالطاعة لرؤوسائنا إذ أنهم لا يسهرون على نفوسنا، فالأحرى يجب علينا أن نتخلص منهم عندما يبذلون قصارى جهدهم ليهبطوا بنا إلى لجة الجحيم وليهلكوا نفسنا وجسدنا.

نفراً من الرهبان موجودين في غياهب السجون، ونفراً آخر يطاردهم الجنود في دير قزحيا، وآخر يهددهم على الدوام سيف متصرف ظالم، بينما هم محرمون من وسائل الدفاع. وفي هذه الحالة اصبح من المستحيل على هؤلاء الرهبان أن يدافعوا عن قضيتهم


لا أحد يجهل أن كل عمل بشري يجب أن تكون له غاية معروفة. فما هي الغاية من خضوعنا لرؤوسائنا الروحيين؟ فإذا كان القصد من الخضوع مجد الله، فيجب على هؤلأ الرؤساء أن يحترموا على الأقل مجد الله على مرأى منا. واذا كان القصد من خضوعنا خلاص نفوسنا، فيجب على رؤسائنا أن يتكرموا بفحص قضايانا وفحص أعمالهم المتعلقة بهذه الغاية وفقآ للحق القانوني. اما اذا كان القصد من خضوعنا لهم إرضاء لأهوائهم الذاتية، فالأحرى بنا أن نفضل إرضاء اهوائنا لا اهوائهم…
فإذا كان المؤمن الذي يضع تحت نظر الكنيسة المقدسة هفوات رئيسه الروحي، لا يمكنه الحصول على التعويضات التي يفرضها الحق القانوني، فمن ذا الذي يمكنه إذآ أن يدافع بشرف عن حقوقه؟ وما هو السبب الذي من أجله وضع الله السلطة العليا في الكنيسة؟ وكيف يمكننا توفير الشرائع الإلهية اذا كان غير ممكن وضعها موضع التنفيذ؟…
وبما أن نفرآ من الرهبان موجودين في غياهب السجون، ونفرآ آخر يطاردهم الجنود في دير قزحيا، وآخر يهددهم على الدوام سيف متصرف ظالم، بينما هم محرمون من وسائل الدفاع. وفي هذه الحالة اصبح من المستحيل على هؤلأ الرهبان أن يدافعوا عن قضيتهم أمام الكرسي الرسولي…
وبما ان يوسف كرم هو من عداد المؤمنين، فقد تلقى من الله وصية حب القريب كنفسه، واجتناب الشر وصنع الخير، والدفاع عن الحق بدون تفريق. ولأجل هذا، لا يسمح يوسف كرم لنفسه أن يتناسى واجباته نحو الله، ونحو الكنيسة ووطنه وذاته، حبآ باكتساب صفو خاطر اعداء الخير العام الالداء”.

الجزء الخامس – مشروع الحلف والكونفدرالية العربية
وفصل الدين عن الدولة

“إن كل مؤمن بالله، من أي مذهب كان، يمكنه ان يحب الرب الهه من كل قلبه، وان يحب قريبه كنفسه، ويحوز بالسعادة على قدر ما تسعفه عناية الله. لذلك ينبغي لنا نحن معشر ابناء العربية إن نظهر للخاصة والعامة حبنا الاخوي والجنسي، تاركين لله وحده حق الدينونة الذي خصه بذاته، وأن يسعى كل منا إلى ما يوافق خير الآخرين”
من رسالة يوسف كرم إلى ابناء لغته العربية

مشروع استثمار مناجم الفحم الحجري في لبنان

ان السياسة لم تكن وحدها الشغل الشاغل ليوسف بك، بل أن كرم كان يعير اهتمامه لكل ما يدر على لبنان واللبنانيين بالخير والرفاهية.

كان كرم يعلم بأنه يوجد فحم حجري في جبال لبنان الشمالي (اهدن وجبة بشري)، فطلب من وكيل املاكه في لبنان ان يرسل له كمية صغيرة من الفحم الحجري من طبقات إهدن الخارجية لتحليلها في مختبرات ايطاليا، لمعرفة كمية الغاز الموجودة فيه. وكانت النتيجة أن مواد الفحم الحجري اللبناني يوازي على اقل تعديل مواد الفحم الحجري الايطالي.

خابر كرم أصدقائه الفرنسيين الرأسماليين لحملهم على القيام بمشروع اقتصادي كبير في لبنان، غايته استثمار مناجم الفحم الحجري ومد خط حديدي من جبال لبنان الى طرابلس لنقل كميات الفحم المستخرجة إلى موانئ أوروبا. كان يرمي كرم من وراء تنفيذ هذا المشروع:

  • فتح سوق تجاري واسع في لبنان
  • تشغيل اليد العاملة في البلاد
  • تعريف لبنان في البلدان الاوروبية وتقوية الثروة الوطنية
  • وجود الشركات الفرنسية في لبنان يجبر الفرنسيين على الإقامة فيه مع عيالهم ويحمي اللبنانيين من الاعتداءات الخارجية.
    تم مخابرة أكبر المصارف في فرنسا من قبل اصدقاء كرم الفرنسيين وعرضوا عليهم المشروع الاستثماري، ونالوا مبدئيآ موافقتهم.

ولما طلب كرم من الحكومة الفرنسية أن تعترف له رسميآ بحريته لكي يعود إلى وطنه، أو أن تأذن له بالشخوص إلى فرنسا أو غيرها من البلدان المجاورة لها، في حال اعتبارها عودة كرم إلى لبنان من شأنها أن تثير الإضطرابات:
“…لقد بح صوتي من طلب الإنصاف والعدل والتماس محاكمتي محاكمة قانونية بشأن التهم التي الصقوها بي. ويظهر ان العواطف الانسانية تزول من صدر اولياء الأمر حالما التمس منهم انصافي!
وبما أن حالتي المحزنة في ديار الغربة اصبحت لا تطاق، جئت يا سعادة السفير (الفرنسي) التمس من شهامة الحكومة الفرنسية وعدالتها ونضالها في سبيل الحرية أن تتنازل وتعترف لي رسميآ بحريتي الشرعية لكي أعود إلى وطني، متعهدآ بأن اخضع لكل سلطة شرعية.
واذا ثابرت فرنسا على الاعتقاد خطأ بأن وجودي في لبنان يثير الاضطرابات، فلتسمح لي على الأقل الذهاب الى فرنسا أو إلى البلدان المجاورة لها”.

ولكن فرنسا رفضت كعادتها أن تعترف بحرية كرم ليعود إلى لبنان، كما رفضت أن تأذن له الذهاب الى فرنسا أو الى البلدان المجاورة لها.

وبعد أن أوشكت مساعي كرم إن تتكلل بالنجاح، ولما لم يسمح له بالعودة إلى لبنان، عدل اصدقاؤه الفرنسيون عن تنفيذ المشروع، لأنهم خافوا أن تضيع اموالهم في القيام بمشروع لا يعلمون بالضبط نتائجه العتيدة.

وكان كرم يرى من وراء مشروع الخط الحديدي من جبل لبنان الشمالي الى طرابلس فاتحة لتأسيس شركات سكك حديدية وطنية في لبنان وسوريا وسائر الاقطار العربية تربط قناة السويس في بلاد فارس، وبذلك تتحسن الزراعة وتزدهر التجارة في جميع انحاء المنطقة، نظرآ للأهمية الجغرافية التي يتمتع بها لبنان وسوريا وفلسطين ومصر.

خاف كرم من أن تساور فرنسا ظنون الاستعمار، فتضمر للبنان نوايا استعمارية تحت مظهر المنفعة والخير الاقتصادي، فحذرها بقوله:
“أن شعوب الشرق الأوسط التي تشكو من نير الأتراك تراقب الفرص للتخلي عن نيرهم، بيد انها تأبى أن تقع تحت نير اشد وطأة من نير الاتراك. وعليه فكل مشروع يسوده الالتباس والإبهام، سياسيآ كان أو اقتصاديآ، لا يستطيع ان يضمن لهذه الشعوب مستقبلآ جديرآ باهتمامها”.

وبين كرم إن المشروع الاقتصادي الذي عرضه على فرنسا لا يأتي بالمنافع المنشودة الا اذا ربط بمعاهدة قانونية رسمية تجمع بين مصالح لبنان وفرنسا.
“لقد كانوا يعلقون قديمآ اهمية كبرى على الاستانة نظرآ لأنها تشرف على البوسفور الممر الوحيد بين البحر المتوسط والبحر الأسود. اما الآن فإنهم يعلقون اهمية اعظم على قناة السويس لأنها تربط بالهند تجارة اوروبا باسرها، ويعتبرون لبنان وسوريا ومصر وفلسطين كأوساط لهذه التجارة العالمية الكبيرة…”

لم يصغ الفرنسيون لاقتراحات كرم ولم يعيروها اهتمامهم اللازم، فضربوا بها عرض الحائط. بيد أنه لم يمض وقت طويل على اقتراح كرم حتى هبت الدول الأوروبية وحققت ما اقترحه كرم على الدولة الفرنسية. وهذا مظهر من مظاهر عدم اكتراث فرنسا بنصائح اصدقائها المخلصين، ومن بعد النظر وسعة التفكير والآراء الصائبة التي كان يتحلى بها بطلنا العظيم في الشؤون السياسية وعلم الاقتصاد.

الحلف العربي والمشروع الكونفدرالي

كانت الظروف تعاكس على الدوام يوسف بك كرم في القضية اللبنانية التي وقف لها حياته. فجميع الجهود الجبارة التي بذلها في سبيل تحرير بلاده وتحسين حالة اللبنانيين من حملات عسكرية، وتأليف مجلس طائفي ماروني، ومن مشاريع اقتصادية عمرانية، قد ذهبت ادراج الرياح. فظل لبنان يتعثر في طريقه الى الاستقلال، وظل اللبنانيون يرزحون تحت نير الظلم والاستبداد، وظلت الانشقاقات والأنانية والاضطرابات الداخلية التي اوجدها بعض رجال الدين والدنيا تقضي على الكثيرين منهم.

إزاء هذه الحالة المحزنة، وبعد أن افرغ كرم جهوده بدون جدوى في سبيل بلاده، رأى أن السبيل الوحيد لجعل لبنان رائعآ في سلام وطمأنينة من جهة، ولدفع مطامع الأقطار المجاورة له من جهة اخرى، هي أن تؤلف الأقطار العربية، ومن جملتها لبنان، حلفآ عربيآ من شأنه أن يضم هذه الأقطار إلى اتحاد وثيق يحفظ حقوق ومصالح كل منها على غرار (كونفديرالية) الذي اعتنقته روسيا في دولة جرمانيا (المانيا).

كان كرم يعلم بأن لبنان فقير في موارده الطبيعية وغني بمواهب أبنائه ولكنه لا يستطيع المحافظة على كيانه الا اذا تعاون تعاونآ اخويآ وثيقآ مع جيرانه ابناء الاقطار العربية المجاورة، فاقترح فكرة الحلف العربي على صديقه الامير عبد القادر الجزائري المقيم في مدينة دمشق والمتصف بالعدل والإنصاف، بصرف النظر إلى الطوائف والمذاهب والبلدان التي ينتمون اليها.

تلك الفكرة الحكيمة التي اقترحها كرم تشبه الى حد كبير فكرة “الجامعة العربية” التي ظهرت ما بعد الحرب العالمية الثانية. هكذا يمكن القول ان كرم سبق وقته في تفكيره وبعد نظره جميع الوطنيين والقوميين العرب بأكثر من نصف قرن.

“إن العناية الإلهية قد حفظتني من فتك خارقي حرمة الشرائع وجعلتني أن اطوف زمنآ مديدآ في ممالك اوروبا، قد اظهرت لي جليآ الافخاخ السياسية المنصوبة تحت ستائر مختلفة والشرور المقصودة من احزاب ينكرون الوجود الالهي رأسآ…
إن ناكري حق العباد قد تكاثر عددهم وعظمت شوكتهم لدرجة أن حكومات كثيرة قد سقطت تحت سطوتهم…فجميعهم يتآمرون على إسقاط جميع الدول وإبطال كل سلطة وشريعة دينية كانت أم زمنية. وبما أن الله عز وجل قد أوجب على رؤساء الديانة المسيحية التواضع والزهد بموجب فحوى الانجيل الشريف، فلم يهبهم حسن التدبير السياسي، إنما هؤلأ الرؤساء، رغبة منهم في إظهار مهارتهم البشرية، سقطوا دون الجميع تحت سطوة اخصام الشرائع والحق.
وهكذا الحكومة التركية باستنادها إلى دسائس اعداء نجاحها قد أهملت الشريعة الاسلامية السنية المحصورة بها الاحكام السياسية، واتخذت لها سياسة اتعس من سائر سياسات العالم. لأنه بينما كل حكومة تعتني بتنظيم رعاياها على اختلاف مذاهبهم وانهاض شرف جنسهم ووطنهم، واسناد سطوتها إلى اتحاد اقطارها وقوتها الداخلية، فإن الحكومة التركية حفظها الله لا هم لها إلا إثارة الفتن بين شعوب الاقطار العربية من مختلف المذاهب.
فبدلآ من ان تعتني حكومتنا بتأييد الشرع الشريف والحق المبين في الاقطار العربية التي قد جمعها وساسها رجالها في العصور الماضية، فإن رجالها الحاليين قد اشتركوا منذ سنوات مع احزاب الجحيم، فادعوا السلطة المطلقة على كل شريعة واستعبدوا هكذا المسلمين والمسيحيين”.

يظهر من خلال هذا النص أن كرم كان يدافع على حد سواء عن حقوق المسيحيين والمسلمين، ويأسف على المسلمين كيف اضاعوا حكمهم الذاتي واستسلموا إلى دسائس وفتن حكومة لا هم لها إلا أن تفرق كي تسود.

إن الحكومة التركية هي السبب الأول والأخير في كل ما حل بالاقطار العربية من نكبات داخلية وخارجية

يلوم كرم الحكومة التركية لأنها خرجت عن المبدأ القويم والشرع الطبيعي الذي يحتم عليها أن تجعل جميع مقاطعاتها أعضاء جسد واحد مرتبطين متعاونين بالحقوق والمصالح.
“…إن الحكومة التركية قد عزمت على نزع الاستقلال من الاقاليم العربية واخضعت قوانينها وشعوبها إلى مطامع ذواتها… فاستطاع اعداء السلطنة أن يستخدموا ضدها ابنائها، بينما الاستقلال الحقيقي يوجب على السلطة العليا أن تجعل جميع مقاطعاتها أعضاء جسد واحد مرتبطين بالحقوق والواجبات والمصالح.
…إن الحكومة التركية هي السبب الأول والأخير في كل ما حل بالاقطار العربية من نكبات داخلية وخارجية، وتعليل ذلك انها، بسبب خوفها من اتحاد وتحرير الجنس العربي، ما فتئت تضرم نار الفتنة بين قبائله، حتى اتلفت بذلك قوتها، فتغلبت عليها الدول الاجنبية معلقة بأن القبائل التي يسقط أفرادها دماء بعضهم البعض بسبب الاختلافات المذهبية، تستحق أن تخضع لنير امة غربية تحمي بعضها من فتك البعض الآخر.
ازاء هذه الحالة المؤسفة، على ابناء الاقطار العربية إن ينهضوا من رقادهم العميق وأن يتنادوا لجمع صفوفهم وتنظيم حقوقهم بالاتفاق مع حقوق القبائل المجاورة. اما الحكومة التركية فإنه يجب إسقاطها لأنها لا تستحق الحياة، ولأنها تريد من حيث لا تدري، أن تلقي بجميع الشعوب العربية تحت سلطة الاجانب”.

أثناء تفكير كرم بالحلف العربي، برزت عقدة مسألة الدين والطائفة في هذا الحلف، فتعرض لهما بكل ما تقتضيه من دقة ومرونة. يقول كرم بهذا الخصوص:
“…وبما ان كل ذي مذهب يدعي صحة مذهبه وانحراف الآخرين، فلا سبيل للاتحاد وجمع القوى الجنسية الا بتوفير الشرائع الأدبية التي أعدها الله لتهذيب سائر البشر على وجه الأرض، غارسآ اياها في سائر القلوب البشرية، وعلى هذه الشرائع الأدبية تأسست الشرائع اليهودية والمسيحية والإسلامية في كل ما يلامس المعاملات البشرية”.

وهكذا يرجع كرم في قضية الدين التي هي نقطة الانطلاق إلى الاساس. هذه القضية التي تفاقمت وما زلنا نعاني منها لغاية اليوم. فبترفعه عن التفاصيل والمظاهر الخارجية الخاصة بكل مذهب، وفًر كرم على نفسه مشقات الانقسام الطائفي وارضى جميع ابناء الطوائف.
…”إن كل مؤمن بالله، من أي مذهب كان، يمكنه ان يحب الرب الهه من كل قلبه، وان يحب قريبه كنفسه، ويقوز بالسعادة على قدر ما تسعفه عناية الله.
لذلك ينبغي لنا نحن معاشر ابناء العربية إن نظهر للخاصة والعامة حبنا الاخوي والجنسي، تاركين لله وحده حق الدينونة الذي خصه بذاته، وأن يسعى كل منا إلى ما يوافق خير الآخرين.
…لا سلام ولا امان الا بالله الحي الواحد القهار. فإن انتم اخلصتم له النية يا ابناء المذاهب المؤمنين بوجوده، وبسطتم ايديكم وصافح بعضكم البعض بالمحبة والسلام النقي، كنتم اسيادآ في وطنكم، والا فأنتم عبيد العبيد”.

هكذا يكون بطلنا يوسف بك كرم اول من تجرأ على المطالبة والمجاهرة بفضل الدين عن الدولة في هذا الشرق العربي. فالدولة اصلها دنيوي وغايتها توفير السلام والسعادة لمواطنيها، اما الدين فأصله سماوي وغايته فائقة الطبيعة ترمي إلى خلاص النفوس والسعادة الابدية.

وكان يقيم عهدئذ في دمشق بطل عربي كريم مجاهد في سبيل تحرير بلاده وهو الامير عبد القادر الجزائري. وكان ان نفي إلى فرنسا ثم إلى سوريا بناء لطلبه. فرأى كرم في شخص هذا المنفي العظيم رجلآ مخلصآ متجردآ من كل غاية، له مؤهلاته الذاتية ومكانته المحترمة في الاقطار العربية. فطلب اليه كرم إن يهتم بتأليف الحلف العربي، لأن الخير يرجى عن يده:
“يبقى علي أن اعرض لفخامتكم بأنه كما أن العجلة تسبب اخطارآ، فالتباطؤ يسبب اضرارآ وضياع المنافع المنشودة، وقد اعلنت قرائن الأحوال بأن الفرصة الحاضرة قد ناهزت البراح، وأنه لدى سقوط الحكومة التركية، يتلقانا الأجانب بالارث عنها ولا يعود للجنس العربي أن يتحد تحت راية واحدة. وبما أن العناية الإلهية قد أهلت فخامتكم لتستخدمها واسطة للسير بنا على الطريق القويم، فاليها اكرر التوسل بألا تدع الفرصة الحاضرة تذهب دون جدوى”.

وكان ان طلب كرم من الامير عبد القادر أن يخابر حكومات اوروبا وشعوبها كل واحدة على حدة، كي تدعم سن قانون سياسي تخضع له كل شعوب الاقطار العربية.
“…ورغبة في الخير العام، ارجو من فخامتكم الا تتقاعسوا عن الاهتمام بما يوافق سائر ابناء الجنس العربي، وأن تتكرموا بإعلان ما تستحسنون من المبادئ والاعمال العائدة لتوطيده. التوسل إليه تعالى أن يلهم حضرات علماء وأعيان الجنس العربي اجمع ليسنوا قانونآ سياسيآ نخضع له جميعآ، وعندئذ نعلن بصوت واحد إلى سائر الأمم المتمدنة بأننا نحن ايضآ امة واحدة متمدنة وقوة واحدة مرتبطة بقانون واحد يضمن للجميع الحقوق الأدبية والمذهبية والطائفية وفقآ لواجبات الدين والدنيا”.

حبذ الامير عبد القادر الجزائري اقتراح صديقه يوسف كرم بتأليف حلف عربي يضم الاقطار العربية في المنطقة، ولكنه رغم تفانيه في سبيل القضية العربية وتحرير شعوبها من نير الاجانب، تحاشى الظهور بمظهر البطل الجزائري في قطر نزل عليه مكرمآ وطابت له الإقامة في جنائنه الخضراء (دمشق).
وإن كان قد حبذ فكرة صديقه كرم بتأليف الحلف العربي، فقد رأى الامير أن الحكمة تقضي بالتبصر بالأمر قبل الإقدام على تنفيذه. وهكذا اضاع الفرصة في التريث والتبصر وانتظار الظروف الملائمة للقيام بمشروع كرم الخطير.

يتبع…

غسان مكاري


More
Ghassan Mekari on Facebook
Ghassan Mekari on Twitter
Ghassan Mekari on odiaspora.org (In Spanish)

Comments are closed.